موسوعة قيمة بمحتواها نصائح و فوائد تربوية هامة نحتاجها في توعية و تربية ابنائنا جزيل الشكر و عميق الامتنان

صفحة 2 من 3 الأولىالأولى 123 الأخيرةالأخيرة
النتائج 11 إلى 20 من 28
موسوعة "تربية الأولاد"
  1. #11
    نائبة المشرف العام الصورة الرمزية ملك الروح
    تاريخ التسجيل
    Feb 2013
    رقم العضوية
    4801
    الدولة
    تونس
    المشاركات
    89,698
    إعجاب متلقى
    19872

    رد: موسوعة "تربية الأولاد"




    موسوعة قيمة بمحتواها
    نصائح و فوائد تربوية هامة
    نحتاجها في توعية و تربية ابنائنا
    جزيل الشكر و عميق الامتنان


  2. #12
    عضو فعال الصورة الرمزية a5one
    تاريخ التسجيل
    Nov 2013
    رقم العضوية
    10709
    المشاركات
    312
    إعجاب متلقى
    145

    رد: موسوعة "تربية الأولاد"

    التربية عن طريق التوجيه والإرشاد


    الإنسان دائماً بحاجة إلى التوجيه والإرشاد والنُّصح، وتذكيره بما قد يَغفُلُ عنه، والمربي المُحِبُّ المخلِص هو الذي يوجِّه براعمَه -دائماً- وجهةَ الخير والحق، ويجنِّبهم -جاهداً- مزالقَ الخطر ومكامن الخطأ؛ بالنصيحة الذكية المؤثرة الهادئة الهادفة، والكلمة الطيبة.

    إنَّ لِنُصْحِ المربي أثراً كبيراً في تصحيح بعض الأخطاء التي قد يقع فيها الطفل؛ من إساءة الأدب، أو عدم التحلي بالأخلاق الفاضلة، أو فعل حركات غيرِ لائقة[1]؛ ولهذا فرض الإسلام طريقَة التوجيه والإرشاد والتذكير طريقةً تربوية؛ يستغلها المربي مع من يربيه، والمعلم مع من يعلمه، والمسلم مع أخيه؛ ابتغاءً للخير، ونفوراً عن الشر؛ فقال تعالى: ﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾ [العصر:1 -3]، وقال تعالى: ﴿ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ﴾ [البلد: 17]، وقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((الدِّينُ النَّصِيحَةُ))[2].

    واستخدامُ أسلوبِ التوجيه والإرشاد في التربية لا يجعله وَقْفاً على المربي، بل للتلميذ دورُه ورأيُه، ولِوَلِيِّ الأمر دورُه ورأيُه، ويكون للمجتمع كلِّه سُلطةُ التوجيه التربوي، فلا (ديكتاتوريةَ) لفرد، وإنما التربية جِمَاع اهتماماتِ القيادة والتلاميذ، أو أُولي الأمر والمجتمع؛ ولذا جعله الإسلام مبدأً حيويّاً من مبادئ التربية[3].

    وطريقة التوجيه والإرشاد المباشر من أقرب الطُّرُق إلى مخاطبة عقل الطفل، وتبيين الحقائق له، وترتيب المعلومات الفكرية؛ ليحفظها مع فهمها؛ وهو ما يجعل الطفل أشدّ قَبولاً، وأكثر استعداداً للتلقي، أما اللفُّ والدوران فليس لهما في التعامل مع الطفل نصيبٌ، وهكذا علمَنا رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- أن نخاطبَ الطفلَ -في كثير من المناسبات- خطاباً مباشراً، بصراحةٍ ووضوح[4].

    وقد مضى كثير من الأحاديث التي رأينا رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- يستخدم فيها هذا الأسلوب في تربية الطفل، ومن ذلك -أيضاً- ما رُوِي عن أنس -رضي الله عنه- قال:
    (قالَ لِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
    ((يَا بُنَيَّ، إِذَا قَدِرْتَ أَنْ تُصْبِحَ وَتُمْسِي وَلَيْسَ فِي قَلْبِكَ غِشٌّ لأحَدٍ، فَافْعَلْ)).

    ثُمَّ قَالَ لِي: ((يَا بُنَيَّ، وَذَلِكَ مِنْ سُنَّتِي، وَمَنْ أَحْيَا سُنَّتِي فَقَدْ أَحَبَّني، وَمَنْ أَحَبَّنِي كَانَ مَعِي فِي الجَنَّةِ)) )[5].

    فالرسولُ -صلى الله عليه وسلم- يعرِض توجيهاتِه ونصائِحَه للطفل، بأسلوب سهل مباشر، يتناسب مع قدرة الطفل على الفهم وتقبُّل الخطاب، معتمداً على كلمات مختصرة مفيدة، لا طول فيها ولا إملال، وهو ما ينسجم مع طبيعة الطفل الفكرية.

    وأسلوب التوجيه والإرشاد في التربية يحتاج من المربي إلى شيء من الحرص؛ لكيلا تتحول توجيهاته وإرشاداته إلى فضائحَ وهتكٍ للستر!! فإنَّ مَن نَصَحَ أخاه سِرّاً فقد زانه، ومن نصحه جهراً فقد فضحه وشانه، وإن كان لا بد من الجهر بالتوجيه والنصيحة، فليكن ذلك بالإيماء والإشارة التي تكشف عن النصيحة المطلوبة محفوفةً بالستر، بعيداً عن الفضائح، وهو أسلوب حكيم اتَّبَعَهُ النبي -صلى الله عليه وسلم- حيث كان من هديه -صلى الله عليه وسلم- أنه إذا رأى شيئاً من أصحابه أو بَلَغَهُ عنهم شيء، وأراد أن يدلَّهم وسائرَ أصحابِه على الحق فيه؛ فإنه لا يُصرِّحُ بأسمائهم ولكنه يُلَمِّحُ؛ فيسترُهم، ويحصلُ مقصودُه -صلى الله عليه وسلم- من النصح، فيقولُ صلى الله عليه وسلم: ((مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَقُولُونَ كَذَا وَكَذَا؟!))[6].

    كما في قصة (الثلاثةِ الَّذِينَ أَتَوْا بُيُوتَ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَسَأَلُوا عَنْ عِبَادَتِهِ، فَكَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا؛ فَقَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَأُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَداً. وَقَالَ الآخَرُ: وَأَنَا أَصُومُ فَلاَ أُفْطِرُ. وَقَالَ الآخَرُ: وَأَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلاَ أَتَزَوَّجُ أَبَداً..؛ فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَا بَالُ أَقْوَامٍ قَالُوا: كَذَا وَكَذَا؟!)) ثُمَّ قَالَ: ((وَلَكِنِّي أُصَلِّي وَأَنَامُ، وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنَ سُنَّتِي؛ فَلَيْسَ مِنِّي)) )[7].

    وعن أبي حُمَيْد الساعدي قال: (اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- رَجُلاً مِنَ الأَزْدِ -يُقَالُ له: ابنُ اللُّتْبِيَّة- عَلَى الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: هَذَا لَكُمْ، وَهَذا أُهْدِيَ لِي!! فَقالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((فَهَلاَّ جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ - أَوْ: بَيْتِ أَمِّهِ- فَيَنْظُرُ: أيُهْدَى لَهُ أَمْ لاَ؟ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لاَ يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئاً؛ إِلاِّ جَاءَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ؛ إِنْ كَانَ بَعِيراً لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةً تَيْعَرُ))!! ثُمَّ رَفَعَ بِيَدِهِ حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَة إِبْطَيْهِ[8]: ((اللَّهُمَّ، هَلْ بَلَّغْتُ! اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ!)). ثلاثاً)[9].

    وهو في هذا يُرَبِّي أُمَّتَه بتوجيههم وإرشادهم إلى ما يُقَوِّم سُلُوكَهُم، ويهذِّب أخلاقهم.
    ـــــــــــــــــــــــ
    [1] قبسات من التأديب التربوي عند المسلمين؛ عطا الله بن قسيم الحايك، دار هجر للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 1422هـ، 2001م، ص:57.
    [2] أخرجه مسلم (1/75) كتاب الإيمان، باب: بيان أن الدين النصيحة (95/55)، والنسائي في السنن (7/157)، وأحمد في المسند (2/297)، والدارمي في السنن (2/311)، وأبو عوانة (1/37)، والطحاوي في مشكل الآثار (2/188)، والحميدي (837)، والخطيب في التاريخ (14/207)، وابن حجر في المطالب العالية (1979) و(3284)، وذكره السيوطي في الدر المنثور (3/267).
    [3] المؤتمر العالمي الرابع للسيرة والسنة النبوية؛ والمؤتمر العاشر لمجمع البحوث الإسلامية، الأزهر الشريف 18-24 صفر سنة 1406هـ، 1-7 نوفمبر سنة 1985م، ص:253.
    [4] منهج التربية النبوية للطفل؛ مع نماذج تطبيقية من حياة السلف الصالح وأقوال العلماء العاملين، محمد نور بن عبد الحفيظ سويد، دار ابن كثير، دمشق، بيروت، الطبعة الأولى، 1419هـ-1998م، ص:116.
    [5] ينظر: منهج التربية النبوية للطفل، المرجع السابق، ص:117. وهذا طرف من حديث طويل عن أنس قد تقدم تخريجه.
    [6] أخرجه أبو داود (2/665) كتاب الأدب، باب: في حسن العشرة (4788) من طريق عبد الحميد الحماني: ثنا الأعمش عن مسلم عن مسروق عن عائشة به، وفي إسناده عبد الحميد الحماني، وهو صدوق يخطئ، والأعمش مدلس. التقريب (ت: 3795، 2630).
    [7] أخرجه البخاري (10/130) كتاب النكاح، باب: الترغيب في النكاح (5063)، ومسلم (2/1020) كتاب النكاح، باب: استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه ووجد مُؤَنَه (1400)، والنسائي (6/60) كتاب النكاح، باب: النهي عن التبتُّل، رقم (3217).
    [8] أي: بَيَاضَهَما. انظر: طِلْبَةَ الطِّلْبَة، عمر بن محمد أبو حفص النسفي، مكتبة المثنى، بغداد، ص:5.
    [9] التربية على منهج أهل السنة والجماعة، جمع وترتيب: أحمد فريد، الدار السلفية للنشر والتوزيع، الإسكندرية، ص (234، 235)، والحديث أخرجه البخاري (2/468)، كتاب الجمعة، باب: مَن قال في الخطبة بعد الثناء: أما بعد (25، 1500، 2597، 6636، 6979، 7174، 7197).



  3. #13
    عضو فعال الصورة الرمزية a5one
    تاريخ التسجيل
    Nov 2013
    رقم العضوية
    10709
    المشاركات
    312
    إعجاب متلقى
    145

    رد: موسوعة "تربية الأولاد"

    التربية عن طريق اللعب المباح


    يؤكد علماءُ التربية حديثاً أهمية اللَّعب للطفل، فيَعُدُّ ((جان بياجيه)) اللعبَ مظهراً من مظاهر النمو العقلي للطفل؛ بحيث يُعَبِّر تطورُ ألعابه عن درجة نضجه العقلي والوجداني[1]، ويرى آخرون أن اللعب نشاطٌ إيجابيٌ للطفل؛ "يجدد القوى، ويقوم مقام الاسترخاء اللازم للعضلات"[2].

    وتقول الدكتورة سهير كامل أحمد: "إن اللعب حتى مرحلة الطفولة المبكرة هو طريقة الطفل الخاصَّة للانفتاح على العالم المحيط به، وإن الطفل يعبر في أثناء اللعب عن إحساساته الكامنة حيالَ الأفراد المحيطين به؛ وتكشفُ لُعَبُ الأطفال عن حياتهم الوجدانية التخيُّليَّةِ، وعن مدى تأثرهم بعملية التطبيع الاجتماعي التي يَخَضعون لها"[3].

    وتقول الدكتورة آمنة أرشد بنجر: "إن أسلوب اللعب هو استغلال واستنفاد لطاقة الجسم الحركية، كما أنه مصدر المتعة النفسية للطفل؛ لأنه يمنح الطفل السرور والمرح والحرية، ويعده «فروبل» النشاط الروحي النقي للإنسان، فهو يشتمل على كل منابع الخير"[4].

    وترى الدكتورة وفاء محمد كمال عبد الخالق أن النشاط اللعبي محدِّد لنموِّ شخصيةِ طفلِ ما قبل المدرسة، وبغير هذا النشاط لا يمكنُ لهذه الشخصية أن تنتقل إلى المرحلة اللاحقة لها؛ ومن ثَمَّ لا يمكن أن تزوَّد شخصيتُه بالخصائص اللازمة لشخصيةِ طفلِ المدرسةِ الابتدائية إلا إذا قام النشاطُ اللعبي بدوره كنشاطٍ مُهَيْمِن على المرحلة السابقة[5].

    وهذه الأهمية التربوية للعب لم تغب عن أذهان علماء التربية الإسلامية من السلف، بل قد عرَف السلف –رحمهم الله– أهميةَ اللعب للطفل، وأرشدوا الآباء والمربين إلى ضرورة السماح للأطفال بقسط من اللعب؛ فها هو ذا الغزالي يقول: "ينبغي أن يُؤْذَن للصبي بعد الانصراف من الكُتَّاب أن يلعب لعباً جميلاً يستروحُ فيه من تَعَبِ المكتَبِ؛ بحيث لا يتعب في اللعب؛ فإنَّ مَنْعَ الصبي من اللعب، وإرهاقَه بالتعلم دائماً، يُميت قَلبَهُ، ويُبطِل ذَكَاءَهُ، وينغص عليه العيشَ حتى يطلب الحيلة في الخلاص من الكُتَّاب رأساً". وما أشار إليه الغزالي بالكُتَّاب هو ما يساوي المدرسة في عصرنا[6].

    وقد سبقت السنة النبوية جميعَ هذه الآراء المنبهة على أهمية اللعب للطفل، إذ تضافرت النصوصُ التي تدل دلالة واضحة على اهتمام النبي -صلى الله عليه وسلم- بإعطاء الأطفال حقَّهم من اللعب؛ فعن أبي أيوب الأنصاري –رضي الله عنه– أنه قال: دخلت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والحسنُ والحسينُ –رضي الله عنهما– يلعبان بين يديه أو في حِجْره، فقلت: يا رسول الله، أتحبهما؟ فقال: ((وكيف لا أحبهما وهما رَيْحَانَتَىَّ من الدُّنْيَا أشمهما؟!))[7].

    وعن جابر –رضي الله عنه– قال: دخلت على النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو يمشي على أربعة وعلى ظهره الحسن والحسين -رضي الله عنهما- وهو يقول: ((نعم الجَمَل جملُكما، وَنِعْمَ الْعِدْلانِ أنتما!))[8].

    وعن عمر بن الخطاب –رضي الله عنه– قال: رأيت الحسن والحسين -رضي الله عنهما- على عاتِقَيِ النبي -صلى الله عليه وسلم- فقلت: نِعمَ الفَرَسُ تحتكما! فقال -صلى الله عليه وسلم-: ((ونعم الفارسان هما!))[9].

    وعن البَرَاء بن عَازِب -رضي الله عنه- قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم -يصلي، فجاء الحسن والحسين، أو أحدهما -رضي الله عنهما- فركب على ظهره، فكان إذا رفع رأسه قال بيده، فأمسكه، أو أمسكهما، وقال: ((نعم الْمَطِيَّةُ مَطِيَّتُكُمَا!)) وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((ونعم الرَّاكِبان هما، وأبوهما خير منهما))[10].

    ففي الأحاديث السابقة خير شاهد على تقديره -صلى الله عليه وسلم- لحق الطفل في اللعب، إلى الحد الذي جعله يلاعب الأطفال بنفسه -صلى الله عليه وسلم-، ولا يكتفي بذلك، بل كان يقرن ذلك بمدح الطفل والثناء عليه؛ ليزيد من نشاطه النفسي في اللعب؛ فيستمر بلا كلل أو تعب، ويتابع لعبه بحب وشغف؛ وبذلك يكون اللعب غذاء جسميا ونفسيا في آن واحد[11].

    وكما كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يلاعب الأطفال بنفسه، كان يشجعهم أيضاً على اللعب معاً، فعن يَعْلَى بن مُرَّة -رضي الله عنه- قال: "كنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فدُعِينا إلى طعام، فإذا الحسين يلعب في الطريق، فأسرع النبي -صلى الله عليه وسلم- أمام القوم ثم بسط يديه فجعل حسين يمر مرة هاهنا ومرة هاهنا، حتى أخذه فجعل إحدى يديه في ذقنه والأخرى بين رأسه وأذنيه ثم اعتنقه وقبله، ثم قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((حُسينُ مني وأنا منه، أحبَّ الله من أَحَبَّهُ، الحسن والحسين سِبْطَانِ من الأَسْبَاطِ))[12].
    ولم يقتصر الإذن باللعب في الإسلام على البنين، فقد أجيز للبنات اللعب، شريطة أن يكون مناسباً للفتاة، وأن يكون مناسباً لعمرها، وألا يؤدي إلى إرهاقها كالرياضة الشاقة، وأن يرتقي اللعب بأخلاقها وصحتها.

    روى أبو داود بإسناد صحيح عن عائشة –رضي الله عنها– قالت: ((قَدِمَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من غزوة تبوك أو حُنَيْن وفي سَهْوَتِهَا سِتْرٌ، فَهَبَّت ريحٌ فكشفت ناحية السِّتْرِ عن بنات لعائشة –أي: لُعَب– فقال: ما هذا يا عائشة؟ قالت: بناتي. ورأى بينهن فرساً له جناحان من رِقَاعٍ، فقال: ما هذا الذي أرى وَسْطَهُنَّ؟ قالت: فَرَسٌ، قال: وما الذي عليه؟ قالت: جناحان، قال: فرسٌ له جناحان؟! قالت: أما سمعت أن لسليمان خَيلاً لها أجنحة؟! قالت: فضَحِكَ حتى رأيت نَوَاجِذَهُ))[13].

    وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: ((تزوجني النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- وأنا بنتُ ستِّ سنين، فقدمنا المدينة فنزلنا في بني الحارث بن الخزرج، فَوُعِكْتُ؛ فَتَمَزَّقَ شَعَرِي؛ فوفَى جُمَيْمَةً، فأتتني أمي أم رومان –وإني لفي أرجوحة ومعي صواحبُ لي– فصَرَخَتْ بي فأتيتُها، لا أدري ما تريد بي، فأخذت بيدي حتى أوقفتني على باب الدار، وإني لأَنْهَجُ حتى سكن بعض نفسي، ثم أَخَذَتْ شيئاً من ماء فَمَسَحَت به وجهي ورأسي، ثم أدخلتني الدار، فإذا نسوة من الأنصار في البيت، فقلن: على الخير والبركة، وعلى خير طائر، فَأَسْلَمَتْنِي إليهن، فأصلحن من شأني، فلم يَرُعْنِي إلا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ضُحًى، فَأَسْلَمَتْنِي إليه، وأنا يومئذ بنتُ تسعِ سنين))[14].

    ففي إقراره -صلى الله عليه وسلم- لِلَعب عائشة ولُعبها التي كانت تلعب بها، ما يوضح تأكيدَ الإسلام أهميةَ اللعب للطفل، وجواز شراء اللُّعَب له؛ فعلى الآباء والمربين أن يراعوا ذلك، فيعطوا لصغارهم الفرصة للعب والترويح عن أنفسهم، ولكن مع توجيههم إلى أنواع اللعب الملائمة لهم؛ بحيث يمكن من خلالها تحقيقُ الفوائد المرجوة من اللعب، التي من أهمها:
    • إزالة التوتُّر النفسي والجسمي عند الطفل.
    • إدخال المتعة والتنوع في حياة الطفل.
    • استكشاف الطفل لنفسه وللعالم المحيط به، وفي ذلك تعلُّم الطفل لأشياء جديدة.
    • تعلم الطفل حلَّ مشكلاته الخاصة.
    • تعبير الطفل من خلال اللعب عن حاجاته ورغباته التعبيرَ الكافي في حياته الواقعية.
    • تمرين الطفل وتدريب عضلاته عن طريق ألعاب الحركة.
    • الرغبة في التعلم؛ لأن اللعب نشاط مشوق لا إكراه فيه.
    • استخدام الطفل جميعَ حواسه، وذلك يزيد قدرته على التركيز؛ ومن ثَمَّ زيادة الفهم.
    • عمل اللعب على تطبيع الطفل اجتماعيّاً؛ لتقويم الخلق لديه والتضامن مع رفاقه، خاصة في اللعب الجماعي.
    • القضاء على المَلل؛ إذ يوفِّر اللعب فرصة القضاء على (الروتين) اليومي لأحداث الحياة[15].
    وعلى الوالدَيْن أن يشتريا للطفل من اللُّعَب ما يناسب عمره وقدرته، ويضعاها بين يديه وفي متناوله؛ وذلك ليبدأ تشغيل عقله وحواسه شيئاً فشيئاً.

    وحتى تكون اللُّعبةُ مفيدةً وجيدة للطفل؛ لا بد للوالدين أن يطرحا على أنفسهما التساؤلات التالية حين شراء الألعاب لأطفالهم:
    • هل هذه اللعبة من النوع الذي يستثير نشاطاً جسديّاً صحيّاً مفيداً للطفل؟
    • أهي من النوع الذي يرضي الحاجة للاستكشاف، والتحكم في الأشياء؟
    • أهي من النوع الذي يتيح التفكيك والتركيب؟
    • أهي من النوع الذي يشجع تقليد سلوك الكبار وطرائق تفكيرهم؟

    فإذا كانت الإجابة بـ(نعم) كانت اللعبة مناسبة ومفيدة تربويّاً، وإلا فلا[16].
    ـــــــــــــــــــــــــ ــــــ
    [1] ينظر: نمو الشخصية (نظرية وتطبيق)؛ د. وفاء محمد كمال عبد الخالق، سنة 1999م، ص (93). سيكولوجية نمو الطفل؛ د. سهير كامل أحمد، مركز الإسكندرية للكتاب سنة 1999م، ص (81).
    [2] ينظر: نمو الشخصية: نظرية وتطبيق؛ مرجع سابق، ص (93).
    [3] ينظر: سيكولوجية نمو الطفل؛ مرجع سابق، ص (81).
    [4] ينظر: أصول تربية الطفل المسلم: الواقع والمستقبل، د. آمنة أرشد بنجر، دار الزهراء للنشر والتوزيع، الرياض، الطبعة الأولى، 1421هـ/2000م، ص (176).
    [5] ينظر: نمو الشخصية: نظرية وتطبيق؛ مرجع سابق، ص (95).
    [6] ينظر: المؤتمر الرابع للسنة النبوية؛ ص (824).
    [7] أخرجه الطبراني في الكبير (4/155) رقم (3990) من طريق الحسن بن عنبسة: ثنا علي بن هاشم عن محمد بن عبيد الله بن علي عن عبد الله بن عبد الرحمن الحزمي عن أبيه عن جده عن أبي أيوب الأنصاري به. وقال الهيثمي في المجمع (9/184): فيه الحسن بن عنبسة وهو ضعيف. قلت: وفيه أيضاً محمد بن عبيد الله بن علي بن أبي رافع، قال البخاري: منكر الحديث، وقال ابن معين: ليس بشيء، وقال ابن حبان: منكر الحديث جدّاً ذاهب، وقال الذهبي في الميزان (6/246): ضعفوه. فالحديث إسناده ضعيف جدّاً.
    [8] ينظر: تربية الطفل في الإسلام: النظرية والتطبيق؛ د. محمد عبد السلام العجمي، وآخرون، مكتبة الرشد، المملكة العربية السعودية، الرياض، الطبعة الأولى، 1425هـ/2004م، ص (88). والحديث أخرجه الطبراني في الكبير (3/46) رقم (2661) من طريق مسروح أبي شهاب عن سفيان الثوري عن أبي الزبير عن جابر به، وبهذا الإسناد أخرجه العقيلي في الضعفاء (4/247)، وابن حبان في المجروحين (3/19) في ترجمة مسروح أبي شهاب، قال ابن حبان: شيخ يروي عن الثوري ما لا يتابع عليه، لا يجوز الاحتجاج بخبره لمخالفته الأثبات في كل ما يروي.
    وقال أبو حاتم: يحتاج إلى التوبة من حديث باطل رواه عن الثوري، يعني هذا الحديث. الميزان (6/406).
    وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (9/185): فيه مسروح أبو شهاب، وهو ضعيف.
    [9] أخرجه البزار (293- البحر الزخار) من طريق الحسن بن عنبسة عن علي بن هاشم بن البريد عن محمد بن عبيد الله بن أبي رافع عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر... فذكره. قلت: إسناده ضعيف؛ لضعف الحسن بن عنبسة ومحمد بن عبيد الله بن أبي رافع كما تقدم. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (9/185): رواه أبو يعلى في الكبير ورجاله رجال الصحيح، ورواه البزار بإسناد ضعيف.
    [10] ينظر: منهج التربية النبوية للطفل، مع نماذج تطبيقية من حياة السلف الصالح وأقوال العلماء العاملين؛ محمد نور بن عبد الحفيظ سويد، دار ابن كثير، دمشق، بيروت، الطبعة الأولى، 1419هـ-1998م، ص (346). والحديث أخرجه الطبراني في الكبير (3/65)، وفي الأوسط (3987)، وقال الهيثمي في المجمع (9/185): إسناده حسن.
    [11] ينظر: منهج التربية النبوية للطفل، مع نماذج تطبيقية من حياة السلف الصالح وأقوال العلماء العاملين؛ مرجع سابق، ص (346، 347).
    [12] أخرجه ابن ماجه (1/152) في المقدمة، باب: فضل الحسن والحسين (144)، والترمذي (6/118) كتاب المناقب، باب: مناقب أبي محمد الحسن بن علي والحسين بن علي رضي الله عنهما (3775)، وأحمد (4/172)، وابن حبان (6971)، والطبراني في الكبير (3/21)، رقم (2587)، والحاكم (3/177)، من طريق سعيد بن أبي راشد عن يعلى بن مرة به.
    وقال الترمذي: حديث حسن. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. قلت: في إسناده سعيد بن أبي راشد، وهو مقبول عند المتابعة، وإلا فلين، وقد توبع تابعه راشد بن سعد عن يعلى بن مرة به؛ أخرجه البخاري في الأدب المفرد (364)، والطبراني في الكبير (3/20) رقم (2586)، ويعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ (1/308-309)، من طريق عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح عن راشد بن سعد عن يعلى بن مرة. قلت: وهي متابعة ضعيفة؛ ففي الطريق إلى راشد بن سعد، عبد الله بن صالح، وهو كثير الغلط وكانت فيه غفلة. التقريب (ت: 3409). والحديث حسنه الألباني في الصحيحة (1227).
    [13] أخرجه أبو داود (2/701) كتاب الأدب، باب: في اللعب بالبنات (4932)، والبيهقي (10/219) وإسناده صحيح.
    [14] ينظر: تربية الطفل في الإسلام، مرجع سابق، ص (89). والحديث أخرجه البخاري (7/627، 628) كتاب مناقب الأنصار، باب: تزويج النبي –صلى الله عليه وسلم- عائشة (3894)، ومسلم (2/1038) كتاب النكاح، باب: تزويج الأب البكر الصغيرة (69/1422).
    [15] ينظر: أصول تربية الطفل المسلم: الواقع والمستقبل؛ مرجع سابق ص (176، 177).
    [16] ينظر: منهج التربية النبوية للطفل، مع نماذج تطبيقية من حياة السلف الصالح وأقوال العلماء العاملين؛ ص (106).


  4. #14
    عضو فعال الصورة الرمزية a5one
    تاريخ التسجيل
    Nov 2013
    رقم العضوية
    10709
    المشاركات
    312
    إعجاب متلقى
    145

    رد: موسوعة "تربية الأولاد"

    التربية عن طريق جماعات الأصدقاء



    لِجماعات الأصدقاء والرفاق دورٌ كبير في حياة الفرد في مختلف مراحلِ عمره، ففي مرحلة الطفولة يُقْبِلُ الطفلُ بشَغَفٍ على مُشَاطَرة الأطفال الآخرين لعبَهم، والتعاون معهم، حتى أطلق البعض على مرحلة الطفولة مرحلةَ الاجتماعية الطبيعية؛ إذ يُحب الأطفالُ اللعبَ مع بعضهم بطريقة جماعية، ويتعاونون في نشاطاتهم المختلفة[1]، وقد وُجِدَ أن الطفل يحصل على أفضل النتائج من خلال مشاطرة الآخرين لعبهم والتعاون معهم[2].

    وفي مرحلة المراهقة يرتبطُ المراهقُ ارتباطاً وثيقاً بمجموعة النُّظَرَاء (الشِّلَّة)، فيسعى إليها سعياً أكيداً، ويكافحُ في سبيل تثبيت مكانته بها، ويتبنَّى قِيَمَها ومعاييرَها ومُثُلَها السلوكية، ويتجه إليها - قبل غيرها من المجموعات الأخرى – بوجدانه وعاطفته وولائه؛ ذلك أن المراهق يشعر في وسط إخوانه بالمشابهة والمجانسة وبوحدة الأهداف والمشاعر، كما يشعر في الوقت نفسه بالهوة الواسعة التي تَفصِل بينه وبين الكبار في كثير من الأحيان[3].

    كما تمارسُ جماعاتُ الأصدقاء والرِّفاق دورَها وأثرها في حياة الفرد فيما بعد مرحلة المراهقة من مراحل الحياة، وهنا تجدُرُ الإشارةُ إلى أن أماكن العمل - سواء أكانت رسميَّة أم تَطَوُّعيَّة - تُعَدُّ من جماعات الرفاق، إلا أنه يغلِب عليها الطابع الرسمي في العادة، وهي مؤسسات اجتماعية ذات تأثيرٍ مُهمٍ على تربية الإنسان بعامة؛ نظراً لما يترتب على وجوده فيها من احتكاك بالآخرين، إضافة إلى أنه يقضي فيها جزءاً ليس باليسير من وقته الذي يكتسبُ خلالَه الكثيرَ من المهارات والعادات والطباع والخبرات المختلفة.

    والمعنى: أن جماعات الرِّفاق توجد وتمارس نشاطاتها المختلفة في المكان الذي يجتمع فيه أفرادُها، إذ تجمعهم – في الغالب – الاهتماماتُ المشتركة والنشاطات المرغوب فيها؛ كالنشاطات الرياضية، أو الترويحية، أو الثقافية، أو الاجتماعية، أو الوظيفية، أو التطوعية، ونحوها.

    كما أنَّ لكل جماعة من جماعات الرفاق ثقافةً خاصة بهم، وهذه الثقافة تُعَدُّ فرعية ومتناسبة مع مستوياتهم العقلية والعمرية، وخبراتهم الشخصية، وحاجاتهم المختلفة، إلا أنها تختلف من جماعة إلى أخرى، تبعاً للمستويات الثقافية والتعليمية والعمرية، والأوساط الاجتماعية المتباينة[4].

    وذلك الدور الكبير الذي تؤديه جماعاتُ الرِّفاق والأصدقاء في المراحل المختلفة من حياة الإنسان، يُلقِي الضوءَ على جانبٍ من جوانب التميُّز في التربية الإسلامية، التي عُنيت بجماعات الرفاق والأصدقاء؛ لأنها وسيلة مهمة من وسائل التربية؛ إذ حرَص رسول الله -صلى الله عليه وسلم - على أن يَنشأ الطفلُ بين الأطفال بعيداً عن العُزْلَةِ والانطواء؛ فقد مر - صلى الله عليه وسلم - بصبيان يلعبون فَسَلَّم عليهم، فعن أنس قال: ((انتهى إلينا رسول الله وأنا غلام مع الغلمان، فسلم علينا ...))[5].

    وفي هذا تنبيه منه - صلى الله عليه وسلم - على السماح للطفل بالاتصال بالأطفال الآخرين، وخصوصاً في زمن الطفولة الأولى التي تترك آثاراً دائمة في شخصيته؛ لذا فالأطفال الذين يُعزَلون عن جماعاتهم الإنسانية لسبب أو لآخر، لا يستطيعون أن يكوِّنوا شخصياتٍ إنسانية؛ إذ إن هذا التكوين لا بد له من أشخاص آخرين يتفاعلون معهم[6].

    ولكن لكي يؤتي هذا الاختلاطُ ثمارَه التربوية المرغوب فيها؛ فلا بد أن يُحسِن المُرَبُّون اختيارَ الصُّحْبَة التي يختلط بها الطفل، وكذلك لا بد أن يحسن الفردُ في كل مرحلة من مراحل حياته اختيارَ صحبته ورفاقه، وهو ما نبه عليه الحق -سبحانه وتعالى- بقوله: ﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَاناً خَلِيلاً ﴾ [الفرقان: 27، 28]، ويقول سبحانه: ﴿ الْأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ ﴾ [الزخرف: 67].

    كما نبه النبي -صلى الله عليه وسلم- على أهمية اختيار الصاحب والرفيق، فقال -صلى الله عليه وسلم-: ((المرءُ على دين خليله؛ فلينظرْ أَحَدُكُم من يُخَالِل))[7].

    ويقول أيضا: ((مَثَلُ الْجَلِيسِ الصالح والجليس السَّوء كحامل المسك وَنَافِخِ الْكِيرِ؛ فحاملُ المسك إما أن يُحْذِيَكَ، وإما أن تَبْتَاعَ منه، وإما أن تجد منه ريحاً طيِّبة، وَنَافِخُ الْكِيرِ إما أن يُحرِق ثيابَك، وإما أن تجد منه ريحاً خبيثة))[8].

    وفيما رواه ابن عساكر: ((إيَّاكَ وَقَرِينَ السُّوء؛ فإنك به تُعْرَف))[9].

    وكذلك أدرك السلفُ الصالح دورَ الرفاق والأصدقاء وتأثيرَهم في الفرد؛ فيقول الإمام علي –كرم الله وجهه-: "إياك ومخالطةَ السَّفِلة؛ فإن السَّفِلة لا تؤدي إلى خير"[10].

    ويقول أيضا: "الأصدقاء نفس واحدة في جُسُومٍ متفرقة"[11].

    وينصح ابنُ سينا في تربية الصغير أن يكون معه في مكتبه "صِبْيةٌ حَسَنَةٌ آدابُهم، مَرْضِيَّةٌ عاداتُهم؛ لأن الصبيَّ عن الصبيِّ أَلْقَن، وهو عنه آخذ، وبه آنس"[12].

    وعلى الآباء والمربين أن يبادروا بتوجيه الصغار إلى أهمية الصحبة الصالحة، وأن يُرَغِّبوهُم في مرافقة ذوي الأخلاق الحسنة، وأن يُنَفِّرُوهُم من رُفقَةِ ذَوِي النُّفوس الخبيثة والأخلاق الذميمة منذ الصِّغَر، ولا يهملوا ذلك إلى مراحلَ تالية؛ لأنه مع تَقَدُّم العمر بالطفل يَكره تدخلَ الآباء في اختيار رفاقه وأصدقائِهِ، ويَرْغَبُ في أن ينفرد هو باختياره؛ ولا سيما في مرحلة المراهقة، إذ يختار المُرَاهِق من يريد من أصدقائه بنفسه، ويرفضُ أيَّ تَدَخُّل من والديه في ذلك الموضوع، بخلاف الطفل، الذي لا يمانعُ مطلقاً في أن يختار له الوالدان بعضَ الأصدقاء، ومعنى ذلك أن موقف الطفل من والديه في اختيار الأصدقاء إنما هو موقفٌ سلبيٌّ[13].

    فيجب على الآباء والمربين استغلالُ هذا الموقف السلبي من جهة الطفل، بتعويده اختيارَ الصديق الصالح؛ فإنه إن اعتاد ذلك في صغره شب عليه ثم استمر كذلك في باقي مراحل حياته.

    وأما المراهقُ فإن دوره في اختيار الأصدقاء دورٌ إيجابيٌّ؛ ومن ثم فكثيراً ما يظهر على وجه المراهق مظاهرُ عدم الرضا عن الأسلوب الذي تتبعه الأسرة في التوجيه أو الأمر بعدم مصادقة شخص أو أشخاص معروفين بالسلوك الشاذ؛ فهو يرفض التَّدَخُّل بالأسلوب المباشر، على الرغم من قناعته بصحة وسلامة رأي الأسرة؛ لأنه يعُدُّ هذا التدخل إضعافا لشخصيته، وهذا يتطلب من المربين إذا أرادوا التدخل في اختيار أصدقاء المراهق أن يكون تدخلُهم بأسلوب غير مباشر، بأن يناقش الأب مثلاً مع ابنه قضايا الأخلاق والعلاقات الاجتماعية مناقشةً موضوعية، وأن يتحدث خلالَها عن الصفات التي يجبُ أن تتوافر في الأصدقاء، ويعطي فرصة للمراهق في الحديث الحر عن الصفات المُثْلَى للصديق[14].

    ولا شك أن هذا المراهق إذا كان قد تَعَوَّد منذ الصغر اختيارَ الصديق الصالح، ونشأ على البعد عن أصدقاء السوء؛ فإن هذا سيسهل كثيراً على الأب مهمةَ توجيهه إلى ما يريد بالطريق غير المباشر.
    ـــــــــــــــــــــــــ ـ
    [1] ينظر: الطفولة والمراهقة؛ ج.أ. هادفيلد، ترجمة: أحمد شوكت، وعدنان خالد، دار الكتب، جامعة الموصل، (ص42).
    [2] ينظر: الطفل في الشريعة الإسلامية ومنهج التربية النبوية؛ سهام مهدي جبار، سلسلة الكتاب التربوي الإسلامي، إشراف: د. محمد منير سعد الدين، المكتبة العصرية، صيدا، بيروت، الطبعة الأولى 1417هـ/1997م، (ص507).
    [3] ينظر: تربية المراهق بين الإسلام وعلم النفس؛ محمد السيد محمد الزعبلاوي، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت، ط 4، 1419هـ/1998م، (ص175).
    [4] ينظر: مقدمة في التربية الإسلامية؛ د. صالح بن علي أبو عراد، الدار الصولتية للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 1424هـ/2003م، (ص111).
    [5] أخرجه أبو داود (5205) باب فِى السَّلاَمِ عَلَى الصِّبْيَانِ، وابن ماجه (562) باب الْحِيَاضِ، وصححه الألباني.
    [6] ينظر: الطفل في الشريعة الإسلامية؛ مرجع سابق (ص508).
    [7] أخرجه أبو داود (4833)، والترمذي (4/559) كتاب الزهد (2378)، وأحمد في المسند (2/303)، والحاكم في المستدرك (4/171) كتاب البر، باب: المرء على دين خليله وقال: صحيح إن شاء الله تعالى، ووافقه الذهبي.
    [8] ينظر: الطفل في الشريعة الإسلامية؛ مرجع سابق، (ص509). والحديث أخرجه البخاري (9/577) كتاب الذبائح، باب: المسك (5534)، ومسلم (4/2026) كتاب البر والصلة، باب: استحباب مجالسة الصالحين (146/2628).
    [9] أخرجه ابن عساكر من حديث أنس بن مالك كما في كشف الخفاء (1/319)، وقال الألباني في السلسلة الضعيفة (847): موضوع.
    [10] ينظر: الأخلاق عند الإمام الصادق؛ محمد أمين زين الدين، منظمة الإعلام الإسلامي، قسم العلاقات الدولية، بيروت، سنة 1403هـ/1983م، (ص113).
    [11] ينظر: ميزان الحكمة؛ محمد الري شهري، الدار الإسلامية للطباعة والنشر، بيروت، سنة 1405هـ/1985م، (5/296).
    [12] ينظر: مقالات فلسفية لمشاهير العرب، مسلمين ونصارى؛ لويس شيخو وآخرون، دار العرب بستاني، القاهرة، الطبعة الثالثة، سنة 1985، (ص13)، الطفل في الشريعة الإسلامية، مرجع سابق، (ص509).
    [13] ينظر: تربية المراهق بين الإسلام وعلم النفس؛ مرجع سابق، (ص186).
    [14] ينظر: السابق، (ص187).


  5. #15
    عضو فعال الصورة الرمزية a5one
    تاريخ التسجيل
    Nov 2013
    رقم العضوية
    10709
    المشاركات
    312
    إعجاب متلقى
    145

    رد: موسوعة "تربية الأولاد"

    التربية الإسلامية سلاحنا الأول في مواجهة مخاطر الإنترنت



    المستشار محمد الألفي -نائب رئيس جمعية مكافحة جرائم الإنترنت-:
    التربيةُ الإسلامية سلاحُنا الأولُ في مواجهة مخاطرِ الإنترنت.


    • • • • •
    أكَّد المستشارُ محمد الألفي -نائبُ رئيس جمعية مكافحة جرائم الإنترنت- أن التربية الإسلامية هي السلاح الأول لنا في مواجهة مخاطر الإنترنت التي تتزايد.

    وأوضح أن استقرار الأسرة المسلمة في خطر، في ظل إدمان بعض الأزواج والزوجات والأبناء للمواقع الإباحية، وحذر من خطورة القصور القانوني الحالي في القوانين العربية؛ مما شجع دعاة الإباحية وأعداء الدين؛ وخاصة بعد أن وصل عدد المشتركين في المواقع الإباحية في بعض الدول العربية إلى ما يفوق بعض الدول الغربية، وهذا مؤشر خطر لا بد من السعي لعلاجه بكل الوسائل القانونية والتربوية.

    وأشار إلى أن كل الجرائم التقليدية يمكن ارتكابُها عبر الإنترنت وبطريقة أخطر؛ ولهذا لا بد أن تتطور القوانينُ للمواجهة، وإلا فقُلْ على مجتمعنا السلام في أخلاقه.

    فروقٌ قانونية
    الجرائم الأخلاقية التي تُرتكَب عبر الإنترنت كثيرة جدا، وكثير منها يهدف إلى تدمير الأسرة المسلمة ونشر الفاحشة في الذين آمنوا، فما الفروق القانونية بين الممارسات المختلفة في تعريف الجرائم الأخلاقية؟
    يقصد بالجرائم الأخلاقية جميعُ الأفعال والسلوكيات التي يُعْتدَى بها على الأخلاق عامة، وما يتصل بالأفعال الفاضحة، والتعرض للإناث بطريقة تخدش الحياء، والإعلان عن البغاء، وممارسة الفجور، وجميع الممارسات التي من شأنها تلويث البيئة الأخلاقية.
    وهناك فروق بين تلك الجرائم من الناحية القانونية؛ إذ يعرِّف القانون البغاءَ: بأنه مباشرة الإناث أو الذكور لأفعال الفحش؛ بقصد إرضاء شهواتهم، أو شهوات الغير مباشرة وبغير تمييز، أما الدعارة: فهي إباحةُ المرأةِ نفسَها لارتكاب الفحشاء مع الناس بدون تمييز مقابلَ أجر، أما الفجور: فهو فعل الرجل الذي يتصل بالرجال؛ لمجرد إرضاء شهواتهم ما دام ذلك قد وقع بغير تمييز؛ سواء كان ذلك مقابل أجر أو لا.
    وهناك الفسق وهو أكثر اتساعاً من مفهوم البغاء؛ لأنه جميع الأعمال المخلة بالآداب، والتي لا ترقي إلى مرتبة أفعال الفحش، سواء وقعت من رجل أو امرأة، أو التحريض على ذلك.
    ويجرّم القانون أيضاً حيازةَ أو عرضَ الصور والمطبوعات، المنافية للآداب، ويجرِّم التعرض للأنثى بطريقة تخدش حياءها؛ سواء كان ذلك التعرض بصورة مباشرة، أو حتى بالاتصال بها تليفونياً، أو عن طريق الإنترنت.

    تطوُّر الجريمة
    تعد الجرائم الأخلاقية عبر الإنترنت من الجرائم المستحدثة ويصعب السيطرة عليها، فكيف يمكن ملاحقتها أو تجريمها من الناحية القانونية؟
    منذ بداية الإنترنت في وزارة الدفاع الأمريكية، ثم المؤسسات القومية للعلوم الأمريكية؛ التي كانت المالكَ الوحيد للشبكة، تطورت الشبكة؛ حتى اختفى مفهوم التمليك؛ ليحل محله ما يمكن بتسميته مجتمع الإنترنت؛ وخاصة بعد ولادة العديد من الشبكات الإقليمية ذات الصيغة التجارية، التي يمكن الاستفادة من خدماتها مقابل اشتراك؛ وهذا ما جعل مهمةَ رجال الأمن أكثر صعوبة؛ فمثلاً: في عام 1985، كان هناك أقل من ألفي حاسب مرتبط بالشبكة، وقد وصل إلى خمسة ملايين حاسب في عام 1998، وتجاوز ستة ملايين في عام 1997؛ يتم ذلك من خلال استخدام أكثر من 300 ألف خادم شبكات "server"، ويمكن القول بأن هذا العدد يزداد شهرياً عن 12 مليون؛ أي انضمام 46 مستخدم للشبكة في كل دقيقة.
    وحسب آخر الإحصائيات؛ فإن عدد المستخدمين للإنترنت في عام 2005 بلغ حوالي 250 مليون مستخدم، بل إن هناك من يؤكدون أن حجم الإقبال على شبكة الإنترنت يتضاعف تقريباً كل مائة يوم.

    أهدافٌ خبيثة
    هناك تنافُس بين الشركات التي تُروِّج للأعمال الإباحية، فما أهدافها من وجهة نظركم؟
    لها أهداف كثيرة تسعى لتحقيقها، أولها بلا شك الكسب المادي؛ إذ يقدمون الكثير من المواد الإباحية مقابل أموال طائلة من المشتركين؛ الذين نجد – مع الأسف الشديد - نسبة ليست يسيرة منهم تنتمي للعالم العربي؛ لدرجة أن عدد المشتركين في بعض الدول العربية يفوق عدد المشتركين في بعض الدول الأوروبية، وهذا مؤشر خطير على قيمنا، وتسعى هذه الشركات الإباحية بكل عوامل الإغراء؛ لدرجة أن إحدى هذه الشركات أعلنت أنه يزور صفحاتها في الأسبوع الواحد حوالي خمسة ملايين.
    وقد عرض الباحثون بجامعة "كارينجي ميلون" إحصائية غريبة يؤكدون فيها أن 83.5% من الصور المتداولة في مجموعات الأخبار هي صور إباحية، وأن الكثير من الصفحات التي يُدخل عليها، تبدأ أولاً بالفضول، ثم يتطور إلى متابعة، ثم إلى إدمان؛ مما يؤدي إلى عواقب وخيمة على العلاقات الزوجية في الولايات المتحدة خاصة، والغرب عامة، وهم من مدمني مشاهدة المواقع الإباحية.
    وتأكيداً على أن الإباحية على الإنترنت غرضها تجاري في المقام الأول؛ فإن الإحصائيات تؤكد أن مشتريات المواد الإباحية على الإنترنت تمثل حوالي 12% من التجارة الإلكترونية، وأن ما ينفق عليها أكثر من 5 مليارات دولار؛ وهذا ما دفع وزارة العدل الأمريكية إلى إصدار تقرير قالت فيه: "لم يسبق في وقت من تاريخ وسائل الأعلام بأمريكا أن تفشى مثل هذا العدد الهائل من مواد الدعارة التي يرتادها الأطفال في غياب القيود، وإن عدد المراهقين يمثلون 63% ممن يرتادون هذه المواقع ولا يدري أولياء أمورهم الكثير عن ممارستهم".
    وهناك هدف آخر للشركات التي تروج للإباحية؛ هو تدمير الفضيلة والدين عامة؛ إذ تجعل الإنسان عبداً للغريزة الحيوانية، وتبعده عن ربه ما استطاعت إلى ذلك سبيلا؛ ومن ثَمَّ فهي تدمر أحد أسلحة المقاومة لأََتْبَاعِ الديانات وخاصة المسلمين.

    الأطفالُ والمراهقون
    ما خطورة دخول الأطفال والمراهقين على هذه المواقع؟ وكيف يراقب الوالدان تصرفات أولادهما للوقاية من الدخول على هذه المواقع الهدامة؟
    مع الأسف الشديد؛ فإن المتغيرات الحديثة كلها سحبت البساط نسبياً من الأسرة التي لم تعد قادرة على التحكم في أولادها تماماً، أو تؤثر فيهم كما كان الأمر سابقاً، لهذا فإن التوعية، والتنشئة الدينية الصحيحة، والتحذير من المخاطر؛ التي تلحق بالفرد والمجتمع، هي المفتاح الوحيد لمواجهة هذه الحملة الشرسة، حتى لا نقع في المحظور؛ لأنه كما يقولون: "الممنوع مرغوب".
    وأرى أن الأسرة ما زالت تملك مفاتيحَ التربية لحماية أبنائها وبناتها من أصدقاء السوء أو ثقافة الشوارع التي فيها كثير من المخالفات الشرعية، لهذا فإنه إذا كان منع بث هذه المواقع أمراً صعباً الآن، ومستحيلاً مستقبلاً، فإن الوقاية خير من العلاج، ووضع كلمات سر لمنع ظهور هذه المواقع والصور على الجهاز أمر ممكن، إلا أن المشكلة تظل في ظل ثقافة الإعلام، الذي يروج للعري والإغراء، وهو ما يجعل الشباب والأطفال؛ الذين نشؤوا على أساس الدين، يعانون من الصراع النفسي؛ لما يرونه في كل مكان متاحا بكل سهولة، وما تربوا عليه من قيم تقدس الفضائل وتدعو إلى الالتزام الديني، لهذا لا بد أن تكون العقيدة والقيم راسخة في نفوس الأطفال والشباب، وأن يكون الوالدين قدوة للأبناء.

    دُعاةُ الفاحشة
    لم يكتف دعاة الفاحشة بتدمير الشباب بالصور الإباحية؛ وإنما اتخذوا وسائلَ شيطانية أخرى لنشر سمومهم.. فما أهمها؟
    استفادة العصاباتُ الإجرامية من الإنترنت في تنفيذ جرائمها؛ ومنها الترويج للمخدرات بأنواعها، والتنَصُّت، والاحتيال على المصارف، واعتراض بطاقات الائتمان وسرقتها واستخدامها غير المشروع، والابتزاز، والسطو، والتزوير، والتزييف، وسرقة أرقام الهواتف، والوصول إلى المعلومات الأمنية الحساسة وسرقتها وبيعها، وغسيل الأموال، وكشف الأسرار العسكرية والتجارية وغيرها. وقد قال أحد المتخصصين: إن كل الجرائم التقليدية يمكن الآن استخدامُها عبر الإنترنت، وبكيفية أفضل وأدق، وأكثر تأثيراً؛ لهذا لا يمكن حماية شبابنا منها.

    التصدي للشياطين
    ظهرت على مواقع الإنترنت مواقعُ معادية للإسلام؛ تعمل على تقويض أركانه وزعزعة العقيدة في نفوس المسلمين، فكيف يمكنُ التصدي لهذا الاستخدام الخطير؟
    أصبحت الإنترنت إحدى وسائل التبشير، والحرب على الإسلام؛ وذلك عن طريقين:
    - العداء المباشر من أتباع الديانات الأخرى، ومن الملحدين أعداء الدين.
    - وفي الوقت نفسه يمكن أن يكون أداة للمتطرفين والغلاة الذين يروجون لأفكار معادية لوسطية الإسلام وسماحته، ومحاولة إثارة الفتنة، بل وتضليل المسلمين، والعلماء المعتدلين؛ لهذا فإن الإنترنت استخدمها أعداء الإسلام المباشرون أو من يسيؤون فهمه، وحولوه إلى دين مُنزَوٍ؛ يرفض الآخرين، وكلا الفريقين يسيء للإسلام، ويشوه صورته.

    قصورٌ قانوني
    من خلال خبرتكم القانونية، قمتم برصد جوانب من القصور في التشريعات العربية في مقاومة الظواهر، والجرائم المستخدمة عبر الإنترنت؛ وخاصة ما يتعلق بالإباحية بكل أنواعها.. فما أهم مواطن القصور القانوني حتى يمكن معالجتها؟
    يمكن تلخيص هذه الجوانب التي فيها قصور قانوني في النقاط التالية:
    1) عدم كفاية النصوص التشريعية، سواء ما ورد منها في قوانين العقوبات وغيرها؛ إذ نجد التجريمَ لمظاهر الجرائم المنافية للآداب عبر الإنترنت، إما غيرَ موجود أصلاً، أو غيرَ كاف إطلاقاً؛ وذلك يعطي الجناة فرصة أكبر في تنفيذ جرائمهم دون خشية الملاحقة القانونية.
    2) تَجَاوُز هذه الظاهرة حدود السلبيات الأخلاقية الناجمة عن انفلات السيطرة على مشاهدة ما يبث على الإنترنت، إلى الإعلان عن جرائم الفجور والدعارة وغيرها من الأفعال الإجرامية؛ مما يساعد في زيادة الجرائم بكل أنواعها وخاصة الأخلاقية، وغالبية جرائم الإنترنت ينال الجناة فيها البراءة؛ إذ لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص صريح، أما تطبيق قوانين أخرى بالقياس؛ فإنه يطعن عليها.
    3) افتقار هذه الجرائم إلى الدليل المادي فيما يتعلق بعرض الأمور الفاضحة؛ ومن ثم يصعب ضبطها ومحاسبة القائمين عليها.
    4) صعوبة الضبط؛ إذ يمكن تغيير ما نُشر عبر شبكة الإنترنت إذا شعر الجناة باقتراب رجال الشرطة والقانون من ضبطهم.
    5) الحاجة إلى دعم مادي لتمويل عمليات متابعة ورصد مزاولي هذه النشاطات الإجرامية المتعلقة بالآداب العامة.
    لهذا، أطالب بسرعة صياغة قوانين خاصة بملاحقة الجناة الجدد، وسد الثغرات القانونية الحالية؛ التي يستفيد منها دعاة الإباحية والجرائم بكل أنواعها.

    المواجهة التشريعية
    هل تعاني الدول المتقدمة قصوراً قانونياً في مواجهة جرائم الإنترنت، سواء في الجرائم الأخلاقية أو غيرها؟
    عملت الكثير من الدول على التصدي لهذا الاستخدام السيئ للإنترنت، لهذا نجد السويد أول دولة تسن تشريعات خاصة بجرائم الحاسب الآلي والإنترنت، ثم جاءت بعدها الولايات المتحدة؛ إذ أصدرت قوانين في خمسة فروع هى :
    1- جرائم الحاسب الآلي الداخلية.
    2- جرائم الاستخدام غير المشروع عن بعد.
    3- جرائم التلاعب بالحاسب الآلي.
    4- دعم التعاملات الإجرامية والتصدي لها.
    5- سرقة البرامج الجاهزة والمكونات المادية للحاسب.
    ثم سنت بريطانيا، وكندا، وفرنسا تشريعات متكاملة تتصدى لكل جرائم الإنترنت، وتقديم مرتكب هذه الجرائم للعدالة.

    التشهير بالشرفاء
    في ظل غياب الأخلاق أو الوازع الديني، يفاجأ الشرفاء بالتشهير بهم عبر الإنترنت، هذا بخلاف التشهير بالمشاهير وابتزازهم، فكيف يتم هذا؟
    للأسف الشديد يمكن لعديمي الأخلاق أن يسيؤوا إلى الشرفاء؛ بأخذ صورة لهم حتى ولو كانت منشورة في صحيفة، أو صورة شخصية، وتركب بدقة متناهية على جسد يمارس الرذيلة مثلاً، حتى إن المشاهد لا يلحظ عملية التركيب التي تمت؛ لهذا يجد الرجال أو النساء أنفسهم في ورطة؛ إذ يمارسون الرذيلة دون أن يكون لهم ذنب في هذا؛ وبهذا يشهر بهم، وتزداد الجريمة إذا نُشر رقم التليفون الخاص بالرجل أو المرأة، وأنه مستعد لممارسة الرذيلة مع أي إنسان، ولهذا نجد الزوج أو الزوجة الشريفة في ورطة؛ لأنه يجد من يطلب منه أو منها ممارسة الرذيلة بناءً على الإعلان المنشور على الإنترنت، ومنشور به رقم التليفون، أو البريد الإلكتروني، وكم من الشرفاء من الجنسين وقع فريسة الابتزاز والتشهير بدون ذنب؛ كنوع من المكيدة أو حتى الإيذاء لمجرد الإيذاء لعدم وجود عداوة مسبقة.


  6. #16
    عضو فعال الصورة الرمزية a5one
    تاريخ التسجيل
    Nov 2013
    رقم العضوية
    10709
    المشاركات
    312
    إعجاب متلقى
    145

    رد: موسوعة "تربية الأولاد"

    منهج قرآني في التربية


    سئمنا من الغرب ونظرياته التربوية الأخلاقية!!

    سئمنا من دَجَلِهم وأكاذيبهم!!

    سئمنا من أبناء جلدتنا الذين صدق فيهم وصف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لهم: ((لو دخلوا جحر ضبٍّ لدخلتموه وراءهم)).

    وكما يقول مثلنا الشعبي: "فاقد الشيء لا يعطيه".

    نحن نعترف بنهضتكم العلمية التقنية ونأخذ بها ونتجرعها على أنها الدواء المر إلى أن تستيقظ أمتنا من سباتها! ولعل الأمر قريب بعون الله.

    أما أن نستورد منكم عاداتكم، وأخلاقكم، ونظرياتكم في التربية، فهذا ما لا نقبله ولا نقر به أو نعترف.

    لقد صعدتم الفضاء علميًّا، هذا صحيح؛ لكنكم هبطتم إلى ما دون البهائم أخلاقيًّا!

    لقد ركبتم الطائرات؛ لكنكم غرقتم في وحول النزوة والشهوات!!

    لقد اخترعتم وسائل الاتصال، وكنتم أبعد الناس عن الله اتصالاً.

    وما فسد هذا العصر إلا حين قدتم العالم بزيفكم، وضلالكم، ونظرياتكم التي لا تسمن ولا تغني من جوع، وحين تراجعت "أمة اقرأ" عن الرسالة التي كُلِّفَتْ بها.

    ولن أطيل أكثر لندخل في صلب الموضوع:
    قرأت مُكْرَهًا نظريات الغرب في التربية بحكم البحث والدراسة، ووجدت أنها لم تتعد الأوراق التي كُتبت عليها، أو المداد الذي شربت منه!!

    ففي مجال التعليم مثلاً: تارة يقرون بمبدأ الشدة والحزم التام، ثم يتراجعون ليقِرُّوا مبدأ اللين والتساهل المفرط، ثم يكتشفون أنهم مخطئون، فهم يتخبطون كما يتخبط الذي مسه الشيطان.
    وليتهم اطلعوا على المنهج الرباني الأمثل في التربية، منهج أمة الوسط؟!

    قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143].

    وتأمل أخي الإنسان هذه الآيات القرآنية:
    قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً * وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً لَّهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً} [النساء:56 - 57].

    قال تعالى: {أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا * وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً وَعْدَ اللّهِ حَقّاً وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلاً} [النساء: 121 - 122].

    قال تعالى: {فأَثَابَهُمُ اللّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} [المائدة: 85 - 86].

    قال تعالى: {َمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَن يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَاباً أَلِيماً} [الفتح: 17].

    وكذلك السور التالية: [سورة الحج: 23 - 25]، [سورة التغابن: 9 - 10]، [سورة الطلاق: 10 - 11]، [سورة التحريم: 7 - 8].

    وآيات كثيرة لا يتيح المقام لنا أن نطيل أكثر.

    وما نستخلصه أن الله سبحانه كلما ذكر آية أو آيات في النعيم أو وصف المؤمنين، أعقبها أو جعل قبلها آيات العذاب أو وصف الكافرين.

    فالإنسان لا يعيش بالرجاء وحده، وإلا تواكل وهبطت عزيمته وبطل عمله.

    كما أنه لا يحيا بالخوف وحده، وإلا فقد الأمل واستسلم لليأس والحزن.

    إذًا يجب أن يسبح الإنسان بين مدِّ الرجاء والأمل، وجزر الخوف والخجل، ليصل إلى شاطئ الفوز والفلاح في الدنيا والآخرة.

    جعلنا الله وإياكم ممن يصلون إلى هذا الشاطئ بمنِّه وفضله.


  7. #17
    عضو فعال الصورة الرمزية a5one
    تاريخ التسجيل
    Nov 2013
    رقم العضوية
    10709
    المشاركات
    312
    إعجاب متلقى
    145

    رد: موسوعة "تربية الأولاد"

    كيف أغرس في أولادي القيم الإسلامية (1)


    الكاتب :إبراهيم بن عبدالعزيز الخميس


    بين يدي الموضوع


    هذه المادة في الأصل جزء من حقيبة تدريبية بعنوان (المربي وبناء القيم)، وقد استغرق جمعُها وإعدادها –بفضل الله– سنوات، واستفدت في محتواها من مضمون التغذية الراجعة في برامج تدريبية كثيرة، إذ نُفِّذَ هذا البرنامج في أماكن مختلفة ولفئات متنوعة، وبأساليب عديدة، وكنت أجني بعد كل برنامج فوائدَ جميلة ودررًا مضيئة من متدربين أو متدربات، فينعكس ذلك على مستوى هذه المادة التي جاءت نتاج تلاقح الأفكار، وجلسات الحوار، وورش العمل، مع الاهتمام الشديد بتأصيل ما يُكتَب تأصيلاً شرعياً.

    وكنت قد قسمتها إلى قسمين:
    الأول: نظرية (المربي وبناء القيم) واحتوى هذا الفصل على التأصيل للموضوع والتمهيد للفصل الآخر، فكان الحديث فيه عن مكونات شخصية الإنسان والتداخل بين مكوناتها، والتأثير المتبادل بين ظاهر الإنسان وباطنه، مستفيداً من أطروحة (الجبل الجليدي)، وتعريف التربية على ضوء ذلك، ثم الحديث عن الواعي وغير الواعي وأثر ذلك في التربية سلباً أو إيجاباً. وقد ختمت الفصل ببعض الضوابط في استخدام السلطة مع المتربي وبعض التنبيهات المهمة.

    الثاني: التطبيق العملي لما سبق تنظيره؛ بحثت فيه أهم القيم الغائبة في مجتمعاتنا، ثم تحدثت عن الوسائل العملية لغرس هذه القيم إجمالا، وختمته بذكر ضوابط في غرس القيم.




    مقدمة.. لا بد منها

    أزمتنا.. أزمة تربوية:
    جاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى العرب، وقد كانوا يعيشون ظلاماً دامساً، وجهلاً مطبقاً، وتخلفاً شاملاً كل ميادين الحياة، فلم تكن الأمم تأبه بهم، ولم يكن لهم شوكة يأوون إليها، وصَفَهم المغيرة بن شعبة رضي الله عنه لـ(يزدجرد) فقال: فما كان أسوأ حالا منا، وأمّا جوعنا فلم يكن يشبه الجوع، كنا نأكل الخنافس والجعلان والعقارب والحيات، ونرى ذلك طعامنا، وأما المنازل فإنما هي ظهر الأرض، ولا نلبس إلا ما غزلنا من أوبار الإبل وأشعار الغنم. ديننا أن يقتل بعضنا بعضا، وأن يبغي بعضنا على بعض، وإن كان أحدنا ليدفن ابنته وهي حية كراهية أن تأكل من طعامه [البداية والنهاية - (ج 7 / ص 49)].
    هكذا كان حالهم قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم.

    وبعد أن نهل العرب من معين النبوة، وتربّوا على منهاجها تغيّرَ حالهم، وانقلبت الموازين، فالأميَّة تحولت إلى مدرسة أضاءت مشارق الأرض ومغاربها في شتى العلوم، والهمجيّة اختفت في سِيَر النبل والكرم والأخلاق السامقة، وانقلب فقرهم غنى، وخوفهم أمناً، وذُلّهم عزاً، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، وأضحى العربُ سادةَ الأمم دهراً من الزمن.. حتى إذا اندرس العلم، وضعف أمر الدين في نفوس الناس، غلب على المسلمين الوَهن فكانوا غثاءً كغثاء السيل..
    عَنْ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((يُوشِكُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُم الْأُمَمُ مِنْ كُلِّ أُفُقٍ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ عَلَى قَصْعَتِهَا)) قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمِنْ قِلَّةٍ بِنَا يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: ((أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ وَلَكِنْ تَكُونُونَ غُثَاءً كَغُثَاءِ السَّيْلِ؛ يَنْتَزِعُ الْمَهَابَةَ مِنْ قُلُوبِ عَدُوِّكُمْ وَيَجْعَلُ فِي قُلُوبِكُمْ الْوَهْنَ)) قَالَ: قُلْنَا: وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ: ((حُبُّ الْحَيَاةِ وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ)) [مسند أحمد - (ج 45 / ص 378)].

    إن (الغثائية) التي تعيشها الأمة الآن هي تعبير عن أزمةٍ تربويةٍ لمسلمين لم يمتثلوا الإسلام في واقع حياتهم، فأذلّهم الله بعد عزّة، وأبدلَ قوّتهم ضعفاً، وتقدُّمهم تخلُّفاً.. ولن يصلُح حال آخر الأمة إلا بما صلح به أوّلها. ومن هنا نَعلم أن سبيل الخلاص من المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والعلمية والثقافية والصحية.. التي تعيشها الأمة لا يكون إلا بتربيتها على المنهج الرباني، وعودتها للمعين الصافي، تَعلُّماً وتطبيقاً.. وليس كما تزعم النخبة العصرانية التي قادت الأمة عقوداً من الزمن زاعمةً أنّ في اللهث وراء الغرب واتِّباع آثارهم عزاً وتمكينا، فماذا جنت الأمة من هذا السعي إلا فساداً بعد ضياع، وخوراً بعد ضعف؟. وقد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لَيَحْمِلَنَّ شِرَارُ هَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى سَنَنِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلِ الْكِتَابِ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ)) [مسند أحمد - (ج 34 / ص 499)].

    ملامح المنهج التربوي الإسلامي:
    تتنوع المناهج التربوية الأرضية بين الإفراط في المثالية، والإغراق في المادية. والمنهج التربوي الإسلامي وسط بين هذا وذاك، فالإسلام يرسم للمسلمين صورةً تربوية مثالية نظرية (في الوحيين) ويُقَدِّم لهم نماذج تطبيقية في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وعهد الخلفاء الراشدين من بعده، ويُعامل الناس بعد ذلك وقبله على قدر استطاعتهم، كما قال صلى الله عليه وسلم: ((إِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ)) [صحيح البخاري - (ج 22 / ص 255)]، ولذا يكون الجزاء يوم القيامة بالموازنة بين الحسنات والسيئات، لا بعددها فحسب!..

    وبناء على ذلك فواجب المربِّين أن يُذَكِّرُوا الناس بما يجب عليهم فعله، وأن لا يكلِّفوهم فوق طاقتهم.. فيُذكّروهم بذلك الجيل الفريد والمجتمع المثالي الذي قال عنه صلى الله عليه وسلم: ((خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ..)) [صحيح البخاري - (ج 9 / ص 133)] ويراعوا فيهم واقعَهم المُر وزمنهم الصعب الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم فيه: ((يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ الصَّابِرُ فِيهِمْ عَلَى دِينِهِ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ)) [سنن الترمذي - (ج 8 / ص 215)] وفي المعجم الكبير للطبراني - (ج 16 / ص 92) ((فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامَ الصَّبْرِ، الصَّابِرُ فِيهِن مِثْلُ الْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ، لِلْعَامِلِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ أَجْرُ خَمْسِينَ رَجُلا)) قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَجْرُ خَمْسِينَ رَجُلا مِنَّا أَوْ مِنْهُمْ؟ قَالَ: ((لا بَلْ أَجْرُ خَمْسِينَ رَجُلا مِنْكُمْ)).

    إن المنهج التربوي الإسلامي يراعي في المسلم طبيعته البشرية التي خلقه الله عليها، فالإنسان له طبيعة طينية تجذبه للأرض وشهواتها، وطبيعة روحية تجذبه للسماء وعلوها، وهو مخلوق ضعيف تغلبه شهوته حينا وينتصر عليها حينا آخر، وهو مطالب بضبط دوافعه الفطرية لا بكبتها.. وعلى ضوء هذه المسلّمات نستطيع أن نتعامل مع المتربين برؤية واقعية تُقّدِّر ضعف الإنسان، وترفعُه عن الإخلاد إلى الأرض.

    مصطلحات مهمة:
    يعيش المجتمع في هذا العصر -الذي سيطرت فيه الثقافة الغربية- خللا في المصطلحات، وهذا الخلل سمة بارزة من سمات المنهج الغربي حتى قال روبنسون: يستطيع الناس أن يوجدوا ماركسيات بقدر عددهم! [الثقافة الإسلامية للزنيدي – محاضرات غير مطبوعة ص29] لذا كان لزاماً علينا أن نقف مع المصطلحات التي سنتطرق إليها في هذا الموضوع ونتفق على تعريف واضح لها دون الدخول في تفاصيل أكاديمية دقيقة لا تحقق الهدف، وسنغض الطرف عن أي خلاف يتعلّق بمفهوم مصطلح يخالف ما أردناه.

    التربية والمربّي: نعني بالتربية كلَّ جهد يهدُف إلى الرقي بالإنسان في مراتب الكمال، ولكلّ إنسانٍ كمالٌ يطلبه وينبغي أن يسعى إليه، والمربّي هو مَن يُعنى من الناس بتربية نفسه وتربية غيره.

    القِيَم: مصطلح (القيم) لم يكن شائعاً عند أسلافنا، ولا مستخدَماً، وأول من ذكره الفلاسفة اليونان، ثم انتقل للمسلمين وللغرب عن طريقهم.. وحيث إنَّ هذا المصطلح فرضَ نفسه في الساحة التربوية والاجتماعية لم يكن بدٌّ من مخاطبة الناس بما يعرفون، فاستخدمناه هنا بالمفهوم الذي نرتضيه وهو أن القِيَم تعني: المبادئ والمعايير التي تحكم حياة الإنسان، وعامة أفراد المجتمع، والقيم عند المسلمين مستمدة من منهجهم الإسلامي الرباني وهي بهذا ثابتة لا تتغير، أما القيم عند الغرب فهي تابعة لأهوائهم وأهدافهم، ولا تتسم بالثبات، فما رآه المجتمع قيمة فهو كذلك! لذا يعيش المجتمع الغربي الآن أزمة مزدوجة في القيم (معرفةً وتطبيقاً).

    ويمكننا أن نصنّف القيم بطرقٍ شتى لعل من أجملها تصنيفها حسب تأثيرها على مكونات شخصية الإنسان، فالقيم على أنواع:
    1- قيم الحق: هي المعايير التي تحكم حياة الإنسان الفكرية، وأهمها المعتقدات.
    2- قيم الخير: هي المعايير التي تحكم حياة الإنسان السلوكية، مثل الحلم والصدق.
    3- قيم الجمال: هي المعايير التي تحكم حياة الإنسان العاطفية، مثل الاستحسان، والجمال.

    القناعات: القناعة مبدأ أو رأي أو اتجاه أو ميل يؤثر في حياة الإنسان واستجابته للمؤثرات الخارجية، يأتي غالباً بعد مرور الإنسان بتجارب معينة أو تأملات فكرية مستمرة. والقناعة أقل درجة من القيمة من جهتين: من جهة ثباتها، ومن جهة الاتفاق عليها بين أفراد المجتمع، وكثير من القناعات هي ترجمة عملية للقيم. فإكرام الضيف –مثلاً- قيمة، وطريقة إكرامة قناعة تختلف من رجل لآخر، وكثير من القناعات تتكون تحت تأثير البيئة المحيطة بالإنسان بغض النظر عن جودتها من عدمه.



  8. #18
    عضو فعال الصورة الرمزية a5one
    تاريخ التسجيل
    Nov 2013
    رقم العضوية
    10709
    المشاركات
    312
    إعجاب متلقى
    145

    رد: موسوعة "تربية الأولاد"

    كيف أغرس في أولادي القيم الإسلامية (2)


    شخصية الإنسان بين الظاهر والباطن

    الإنسان له ظاهر وباطن، فظاهره السلوك، وباطنه ما يكنه في نفسه من أفكار وقناعات وقيم. والمشاعر هي الحد الفاصل بين الظاهر والباطن، فهي برزخ بينهما؛ بمعنى أن المشاعر بين الظهور والكتمان*..

    ويمكن تعريف هذه المكونات كما يلي:
    - السلوك: هو ما يظهر من الإنسان ونلاحظه عليه مشاهدةً أو استماعاً أو حساً (كلام، كتابة، نشاط، صمت..).
    - المشاعر: هي العواطف والرغبات التي يشعر بها الإنسان.
    - الأفكار: هي ثمرة الأعمال العقلية التي تدور في ذهن الإنسان ابتداءً، أو نتيجةً لتعرضه لمثير ما.
    - القناعات: هي النتائج التي يصل إليها الإنسان بعد عمليات التفكير المستمرة، أو بعد مروره بالتجارب والخبرات المختلفة، لكنها لا تصل إلى درجة القيم.

    • القيم: هي المبادئ والمعايير التي تحكم حياة الإنسان، وعامة أفراد المجتمع.
    الإنسان مطالب شرعاً أن يضبط ظاهرَه وباطنَه وَفق شرع الله، وأن يزن كل هذه المكونات السابقة بميزان الشرع قال تعالى: {وَذَرُواْ ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ} [الأنعام: 120]، أما في تعامل الناس، فالمسلمون يعاملون الناس على ظواهرهم ولا يفتشون نياتهم؛ قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} [النساء: 94]، وعندما قَتَل أسامةُ الرجل الذي تشهد معتقدًا أنه فعل ذلك خوفاً من الموت قال له صلى الله عليه وسلم: ((يَا أُسَامَةُ أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ)) قَالَ:قُلْتُ: كَانَ مُتَعَوِّذًا، فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ. [صحيح البخاري - (ج13/ص164)].

    أثر الباطن في صياغة الشخصية الظاهرة:
    باطن الإنسان هو المحرك الحقيقي لظاهره، وبناء على ما يُكِنّه الإنسان في باطنه تجاه المثيرات المختلفة تتكون استجابات مناسبة لها بحسب ما يوجد في باطنه من أفكار وخبرات وقناعات وقيم، بمعنى أن الباطن يؤثر في الظاهر من ثلاث جهات:
    الأولى: قبوله أو رفضه للمثيرات. (استجابة داخلية).
    والثانية: التعبير عن القبول أو الرفض. (استجابة خارجية).
    والثالثة: طريقة تعبيره عن القبول أو الرفض. (طريقة الاستجابة الخارجية).

    ولذا جاءت نظريات التربية لتعلي من شأن القيم وأثرها في التربية.. والنصوص الشرعية تتضافر لتوضيح هذا المعنى، فمنها التأكيد على غرس العقيدة الصحيحة ثلاث عشرة سنة في مكة لتربية قاعدة النهوض قبل الهجرة، ومنها فضح المنافقين الذين تخلفوا عن الجهاد والطاعة بسبب بواطنهم التي يخفون فيها الكفر.. ومنها قول النبي صلى الله عليه وسلم: (أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ) [صحيح البخاري - (ج 1 / ص 90)].

    نظرية الجبل الجليدي:
    ما سبق ذكره عن مكونات شخصية الإنسان موافق لنظرية الجبل الجليدي iceberg وهي نظرية جيولوجية ثابتة علمياً خلاصتها أن رأس الجبل الجليدي (الظاهر) على سطح البحر لا يمثل إلا 10% من كامل هذا الكيان، في حين يختبئ في (الباطن) تحت سطح البحر 90% منه، وتكون هذه النسبة أساس الثبات لهذا الجبل.


    شكل (1): صورة مقربة لشكل الجبل الجليدي

    توظيف النظرية في دراسة شخصية الإنسان:
    علماء النفس قاسوا هذه الظاهرة على الإنسان وقالوا: إن الإنسان مثله مثل الجبل الجليدي لا يمثل سلوكه الظاهر إلا 10% فقط من شخصيته، أما المحرك الحقيقي له فهو الباطن.. ومع أننا لا نستطيع الجزم بمثل هذه النسب إلا أننا نرى أن السلوك الظاهر لا يمثل من شخصية الإنسان إلا نسبة قليلة. ويمكن أن نوضح شخصية الإنسان من خلال الشكل التالي:


    شكل (2): شخصية الإنسان بين الظاهر والباطن


    وللحديث صلة..
    ـــــــــــــــــــــــــ ـــ
    * الأصل في المشاعر أنها في باطن الإنسان، لكنها قريبة جداً من الظاهر إلى درجة قدرة الفطِن على معرفتها من أول نظرة.. وفي قصة إسلام سعد بن معاذ وأسيد بن حضير قول سعد: "أحلف بالله لقد جاءكم أسيد بغير الوجه الذى ذهب به من عندكم" [السيرة النبوية لابن كثير - (ج 2 / ص 183)] والبرزخية سنة كونية جعلها الله حداً فاصلاً بين كل متجاورين مكاناً أو زماناً أو موضوعاً مختلفين في الصفات، وأمثلتها كثيرة: فاليوم الآخر برزخ بين الدنيا والآخرة، ومابعد الغروب وقبل الإشراق برزخ بين الليل والنهار، والوَسَن برزخ بين النوم واليقظة، وحالة غليان السائل برزخ بين السائل والغاز، والمشتبهات برزخ بين الحلال والحرام.. فهذا الحد الفاصل فيه من صفات المتجاورين، وربما كان في بعض حالاته إلى أحدهما أقرب.


  9. #19
    عضو فعال الصورة الرمزية a5one
    تاريخ التسجيل
    Nov 2013
    رقم العضوية
    10709
    المشاركات
    312
    إعجاب متلقى
    145

    رد: موسوعة "تربية الأولاد"

    كيف أغرس في أولادي القيم الإسلامية (3)


    تكلمت في المقال السابق عن شخصية الإنسان، وأنها تتكون من الظاهر والباطن والبرزخ، ثم تكلمت عن أثر الباطن في صياغة شخصية الإنسان، وفي هذا المقال سيتضح التأثير المتبادل بين أجزاء شخصية الإنسان..

    تأثير الظاهر في الباطن:
    السلوك (الظاهر) يؤثر في الباطن سلبا أو إيجاباً، وإذا تكرر فعل الإنسان لسلوك ما فإن أثر ذلك على الباطن يكون قوياً.. لذا أُمرنا مثلاً بالإكثار من ذكر الله في آيات وأحاديث كثيرة لما لذلك من أثر على الباطن (خشية الله ومحبته ولزوم الطاعة والقوة في مجابهة الشيطان والشر..)، ونهينا عن الإسبال لما له من أثر في الباطن فهو يورث الكبر والخيلاء، ونهينا عن التشبه بالكفار لما للتشبه بهم من أثر في الباطن. قال ابن تيمية في تعليقه على أحاديث النهي عن التشبه بالكفار: (قال حذيفة بن اليمان: من تشبه بقوم فهو منهم؛ وما ذاك إلا لأن المشابهة في بعض الهدي الظاهر يوجب المقاربة ونوعا من المناسبة يفضي إلى المشاركة في خصائصهم التي انفردوا بها عن المسلمين والعرب)[1]. وقال ابن القيم: (ونهى عن التشبه بأهل الكتاب وغيرهم من الكفار في مواضع كثيرة لأن المشابهة الظاهرة ذريعة إلى الموافقة الباطنة، فإنه إذا أشبه الهدي الهدي أشبه القلب القلب)[2].

    مفهوم التربية المتكاملة:
    التربية من هذا المنطلق هي: تعديلٌ للسلوك، وضبط للمشاعر، وتصحيح للأفكار، وتوجيه للقناعات، وبناء للقيم، وليست تعديلا للسلوك فقط! ولو كان الأمر كذلك لكانت التربية أمرًا سهلا، فبمجرد استخدام المربي للسلطة يستطيع أن يفرض على المتربي سلوكيات محددة وينتهي الأمر. ولهذا نستطيع أن نقول إن قدرتنا على التأثير في مكونات الشخصية تأتي سهولتها بالترتيب نفسه (السلوك، المشاعر، الأفكار، القناعات، القيم) وعلى سبيل المثال نستطيع أن نجعل المتربي يحافظ على الصلاة (وقتاً وأداءً) بالمتابعة والتحفيز ونحو ذلك.. لكننا نحتاج إلى جهود متضافرة ووقت طويل لغرس قيمة (تعظيم الصلاة) في نفسه. ويمكن توضيح ذلك من خلال الشكل التالي:

    شكل (3) : يوضح عملية التربية المتكاملة ودرجة سهولة كل خطوة

    مثال على التأثير المتبادل بين الظاهر والباطن:
    سأكتفي بقصة واحدة من السيرة النبوية تدل على ما سبق تقريره، والقصة أوردها ابن كثير في البداية والنهاية: (قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد وعفان قالا: حدثنا حماد هو ابن سلمة: أخبرنا ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ سيفا يوم أحد فقال: ((من يأخذ هذا السيف؟)) فأخذ قوم فجعلوا ينظرون إليه فقال: ((من يأخذه بحقه؟)) فأحجم القوم، فقال أبو دجانة: أنا آخذه بحقه، فأخذه ففلق به هام المشركين. ورواه مسلم عن أبي بكر عن عفان به. قال ابن إسحاق: وكان أبو دجانة رجلا شجاعا يختال عند الحرب، وكان له عصابة حمراء يعلم بها عند الحرب يعتصب بها فيعلم أنه سيقاتل، قال: فلما أخذ السيف من يد رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرج عصابته تلك فاعتصب بها ثم جعل يتبختر بين الصفين، قال: فحدثني جعفر بن عبد الله بن أسلم مولى عمر بن الخطاب عن رجل من الأنصار من بني سلمة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأى أبا دجانة يتبختر: ((إنها لمشية يبغضها الله إلا في مثل هذا الموطن))[3].

    إن هذا السلوك الذي فعله أبو دجانة (أخذ السيف) لم يصدر منه لولا وجود عددٍ من القيم لديه ومنها: حب الجنة، وحب الشهادة، وبغض الكافرين، والشجاعة، والمبادرة.. ثم إن أخذه للسيف ولّد لديه مشاعرَ، منها: إحساسه بأهمية الوفاء بحقه.. ولا شك أن هذه المشاعر ولّدت عنده مجموعة من الأفكار كان منها: إخراجه العصابة الحمراء!.. ولم يهتد فكره لذلك لو لم تكن له عادة (الاختيال في الحرب)!.. إن الخبرة المشهورة لدى المقاتلين مفادها: أنَّ أبا دجانة إذا أخرج العصابة الحمراء فهذا يعني ساعة الصفر بالنسبة له، مما يحمل المقاتلين على اجتنابه والخوف منه! وهذه أخرى: فلبس العصابة الحمراء (سلوك) يولد شعوراً لدى أبي دجانة بالشجاعة أولاً وبالخيلاء ثانياً، ولهذين الشعورين تأثير في السلوك: قوة القتال والتبختر بين الصفوف.. وفي ساحة المعركة يسمح الإسلام بتجاوز بعض الأمور لما فيها من مصلحة عسكرية وتأثير نفسي على الأعداء كما حدث من أبي دجانة وكبعض ألفاظٍ ينطق بها الصحابة في مثل تلك المواطن وهم لا ينطقون بها في العادة.. لكن الإسلام لا يرضى أن يستمر تكرار هذا السلوك بعد المعركة لأنه إن استمر وتكرر فسيؤثر في الباطن (القيم) ولذا قال صلى الله عليه وسلم: (إنها لمشية يبغضها الله إلا في مثل هذا الموطن).

    وللحديث صلة..
    ـــــــــــــــــــــــــ ـ
    [1] ابن تيمية (1386هـ) الفتاوى الكبرى، تحقيق : حسنين محمد مخلوف، بيروت: دار المعرفة 6/172.
    [2] ابن القيم (1395) إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان، تحقيق : محمد حامد الفقي، بيروت: دار المعرفة 1/364.
    [3] ابن كثير، البداية والنهاية، بيروت: مكتبة المعارف 4/15.


  10. #20
    عضو فعال الصورة الرمزية a5one
    تاريخ التسجيل
    Nov 2013
    رقم العضوية
    10709
    المشاركات
    312
    إعجاب متلقى
    145

    رد: موسوعة "تربية الأولاد"

    كيف أغرس في أولادي القيم الإسلامية (4)



    في المقالين السابقين تحدثنا عن مكونات شخصية الإنسان، وفي هذه المقالات سيكون الحديث عن الوعي و(اللاوعي)، وهي مسألة يكثر فيها اللبس، خاصة عند مَن تأثروا بطرح فرويد أو النظريات المستنبطة من أدبياته.

    الوعي و(اللاوعي):
    الوعي واللاوعي هو تعبير عن حالة الإنسان عند تنفيذ المكونات السابقة: الظاهر (السلوك)، والباطن (القيم والقناعات والأفكار)، والبرزخ (المشاعر).. فالأصل أن الإنسان يمارس السلوك بوعي، كما أنه لا يعي كل القيم والمعتقدات والأفكار التي يُكِنُّها في نفسه، أما المشاعر فهي بين الوعي واللاوعي، وهي جدار فاصل للتبادل الواعي وغير الواعي بين الظاهر والباطن كما سأوضحه لاحقاً..

    هذا هو الأصل، ولكن أحياناً يمارس الإنسان السلوك بلا وعي، وهو غير محاسب في الآخرة إذا مارس سلوكاً خاطئاً بغير وعي! كمن يشرب ناسيا في نهار رمضان.. أما في الدنيا فلا يحاسب إلا إذا تعلق سلوكه الخاطئ بحق الآدمي.. كما أنه يعي قيمة ما أو مجموعة من القيم عند تعرضه لمثير يخالفها أو يوقظها.

    وعي المشاعر:
    حالة وعي المشاعر تعد حاجزَ صد للتبادل غير المقصود بين الظاهر والباطن، بمعنى أن المؤثرات الخارجية إذا كانت تخالف قيم المستقبل أو قناعاته أو أفكاره فإنه سيرفضها، وغاية ما يمكن أن تفعله هذه المؤثرات هو التأثير في المشاعر فحسب، وفي المقابل فإن الإنسان إذا كانت مشاعره واعية فإنه يستطيع أن يكتم القيم التي في داخله إن أراد ذلك، كما أن بإمكانه أن لا يبوح لأحد بقناعاته حول موضوع ما أو بما يفكر فيه إذا رأى أن المصلحة تقتضي ذلك، وربما سيحاول –إن استطاع– كتم مشاعره. ويمكننا أن نوضح هذا بالشكل التالي:

    شكل(4) : يوضح أثر جدار وعي المشاعر في صد التبادل غير المقصود بين الظاهر والباطن

    الاستجابة الواعية للمؤثرات الخارجية:
    الإنسان يستقبل الرسالة من خلال آليات الاتصال (السمع، البصر، الشم، الحس). ويختلف فهم الرسالة حسب جودة أداء الوسيط (آلة الاتصال).. وتُفهَم الرسالة بناء على ما لدى الإنسان من قيم وقناعات وخبرات تتعلق بهذه الرسالة.

    إذا كانت مشاعر الإنسان في حالة الوعي وجاءته رسالة تخالف قيمه فماذا يحدث؟
    الناس يختلفون في تقدير الرسالة المقابلة، فالناضجون والعقلاء يحكِّمون الرسالة أوَّلاً بناء على ما يحملونه من قيم، ثم يعرضونها على قناعاتهم، ويقرنون ذلك بما لديهم من خبرات سابقة وأفكار ومشاعر، وهم يفرقون بين مخالفة الرسالة لقيمة أو مخالفتها لقناعة، وتختلف درجة رفضهم للرسالة التي تخالف القيم عن درجة رفضهم للرسالة التي تخالف القناعات، وكذا فإن الرسالة التي تخالف القناعات ترفض بشكل أكبر من الرسالة التي تخالف الأفكار.. هذا هو الأصل، وهناك من يختل لديه هذا الميزان فلا يفرق بين قيمة أو قناعة أو مجرد أفكار وخواطر.. وهناك من تسيطر عليه عواطفه في تقديره للمؤثرات الخارجية.

    إذن فالإنسان السوي إذا جاءته رسالة تخالف قِيَمَهُ يتولد لديه مباشرةً تفكيرٌ رافضٌ للرسالة، يتبعه رغبة في التعبير عن الرفض، ونتيجة هذه الرغبة سلوكٌ رافض للرسالة.. والتعبير عن الرفض يرجع إلى ما يكنه الإنسان من قيم وقناعات وأفكار ومشاعر..

    مثال مخالفة الرسالة لقِيَمِ المستقبِل:
    الشاب الذي نشأ على طاعة الله والخوف منه سبحانه (وهذه قِيَم) إذا شاهد صورة لامرأة عارية؛ تتكون لديه رغبة داخلية قوية برفض مشاهدتها، وسيعبر عن رفضه لها حسب ما غُرِس فيه من قِيَم (الجرأة والشجاعة، ووجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر..) وطريقة الرفض راجعة لما لدى الإنسان من قيم (ضوابط إنكار المنكر) وما لديه من خبرات وقناعات (حول الرسالة ومصدرها والاستجابة المناسبة لها)، وراجعة أيضاً لمشاعر الشخص.. بخلاف الشاب الذي استمرأ مشاهدة هذه الصور ونسي اطلاع الله عليه أو لم يؤمن بذلك، فإنه إذا شاهد هذه الصورة لن يتولد لديه شعورٌ رافضٌ إلا بقدْر ما يوجد فيه من آثار قيم الإيمان..

    وللحديث صلة..


صفحة 2 من 3 الأولىالأولى 123 الأخيرةالأخيرة

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
Google