موسوعة "تربية الأولاد" إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل

صفحة 1 من 3 123 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 10 من 28
موسوعة "تربية الأولاد"
  1. #1
    عضو فعال الصورة الرمزية a5one
    تاريخ التسجيل
    Nov 2013
    رقم العضوية
    10709
    المشاركات
    312
    إعجاب متلقى
    145

    موسوعة "تربية الأولاد"










    إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنَّ محمدًا عبده ورسوله.


    {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً} [النساء: 1].


    {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [الحشر: 17].


    أمَّا بَعْدُ:

    فإنَّ خَيْرَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وخَيْر الهدي هدي مُحَمَّدٍ، وشَرّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُها، وكُلّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ.


    عباد الله:

    الأولاد من أعظم نعم الله التي يمنُّ بها على مَن يشاء مِن عباده، ومَن له أولاد قد لا يقدِّر هذه النِّعمة حقَّ قدْرِها، فلذا مَن لَم يرزَق بذرِّيَّة يبذل الغالي والرَّخيص وينتقل بين المستشفيات لطلب تحصيل الولد.


    والولد - ذكرًا كان أو أُنْثى - إذا نشأ على طاعة الله، انتفع به أبواهُ أحياءً وأمواتًا؛ لذا حينما ذكر النَّبيُّ ما ينتفع به ابنُ آدم بعد مَماتِه، ذكر منهم الولَد وقيَّده بالصَّالح.


    كلُّ والدينِ يتمنَّيان أن يكون أولادُهما من خير النَّاس في دينهم ودنياهم؛ لكن ليست المسألة مسألةَ تمنٍّ فقط، فلا بدَّ من بذْل الوسْع في تحرِّي أسباب فوزهم الدِّيني والدنيوي.


    وليس هذا أمرًا نتطوَّع به، بل هو أمر افترضه الله علينا؛ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لاَّ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6].


    ومَن فرَّط في ذلك، فقد ورد في ذلك الوعيد الشَّديد؛ فعن معقل بن يسار قال: سمِعْت النَّبيَّ - صلَّى الله عليْه وسلَّم - يقول: ((ما مِنْ عبدٍ استرْعاه الله رعيَّة فلم يَحُطْها بنصيحة، إلاَّ لَم يجد رائحة الجنة))؛ رواه البخاري (7150) ومسلم (142).


    ومَن تأمَّل النُّصوص الشرعيَّة، وجد أنَّ الشَّارع وضَعَ من الاحتِرازات والضَّوابط ما يكفُل حِفْظ الأوْلاد وعدم جنوحِهم.


    ومن ذلك الحِرْص على أن ينشأ الولد لا يغار من أحدِ إخوته، بحيث لا يشعر أنَّ لأحدٍ من إخوته حظوةً عند أبويه أكثر منه، في حبٍّ أو غيره من الأشياء المعنويَّة والحسيَّة؛ فلذا وجب العدْل بين الأولاد وعدم تفْضيل أحدِهم بِهبة ونَحوها من غير سبب؛ لأنَّ تفضيل بعضِهم على بعض يُوغر صدورَهم على أبوَيْهِم وعلى المفضَّل من إخوتهم، ويَمنعهم من الانتفاع بتوجيه أبويهم وتربيتهم، فقد كاد إخْوة يوسف الصِّدِّيق لأخيهم ما كادوا حينما وقَعَ في أنفُسِهم أنَّ أباهُم يُحبُّ يوسف وأخاه، ويفضِّلهما عليهم.


    ومن ذلك أهميَّة القُدْوة الحسنة وموافقة القول العمل؛ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ} [الصف: 2 - 3].


    فحِينما يقع خطأٌ من أحد الأوْلاد ليقِف الأبُ مع نفسِه وقفةَ مُحاسبة: هل له دوْر في هذا الخطأ؟ فهل هذا الخطأ يمارسه الأب؟ هل قصر في واجبه الذي افترضه الله عليه من حسن التربية والتوجيه والمتابعة، وتوفير ما يجب عليه توفيره؟ فإن كان للأب دوْر، فالواجب على الأب علاج أسباب الخطأ وتدارُك التَّقصير الذي حصل منْه، فمثلاً لا ينبغي أن يُكْثِر الأب من لوْم ابنِه على حصول خطأٍ في سلوكِه، من نظَرٍ محرَّم، أو سماع محرَّم، أو كذِب، وغير ذلك من المخالفات، إذا كان الأب نفسُه يقع في هذه الأشياء المحرَّمة، فالواجب على الأب أوَّلاً أن يقوم هو بتعْديل سلوكه وترْك ما يعيبه على ابنه، فهذا مظنَّة استِجابة الابن لتوجيه أبيه، فالأولاد يتربَّون بالاقتِداء بأبيهم في حَسَنِ الأعمال وقبيحها.


    وحينما يُخالِط الابن مَن لا يرضى خُلقه مِمَّن هُم من أتْرابه، فعلى الأب أن ينظُر في السَّبب، فربَّما خالطَهم ابنُه تحت ضغْط الحاجة لأجل الذَّهاب معهم بالسيَّارة مثلاً؛ لأنَّ أباه لم يوفِّر له سيَّارة، فليقِف الأب مع نفسه، ولينظر في مصالح ومفاسد إعْطاء الابن سيَّارة، إذا كان لديْه مقدِرة مالية على ذلك.


    وحينما يحصل من الابن تفريطٌ في الصَّلاة، وخصوصًا الفجْرَ، ليقف الأب مع نفسه: هل درَّبه على الصَّلاة في المسجد؟ أم تركه حتَّى كبر فشقَّت عليه صلاة الجماعة؟ فإن كان الأمر كذلك، فعلى الأب تدارُك الأمر في أوْلادِه الصِّغار؛ حتَّى لا يحصُل منهم ما حصل من أخيهِم الأكبر.


    حين التعامل مع أخطاء الأولاد، يجب ألاَّ نعزِلَها عن أعمارهم، فالصِّغار تصدر منهم أخطاء ربَّما كانوا أوَّل من يتضرَّر بها؛ لعدم تقْديرهم للعواقب، ومعرفة ما يؤول إليْه الأمر، فينبغي أن يُتَغاضى عن بعض الأخطاء، وكأنَّ الأب لَم يطَّلع عليها، إذا كانت مما يسوغ التغاضي عنها؛ فليس حسنًا كثرة التَّأنيب والتَّوبيخ عند أدْنى خطأٍ؛ لأن الولد لا يتأثَّر بالتوبيخ مع كثرته، وربَّما تبلَّد حسُّه، فسيَّانِ عنده من يشكره ومن يوبِّخه؛ لذا كان النَّبيُّ - صلَّى الله عليْه وسلَّم - يتحمَّل هفوات الصِّغار ولا يعاتبهم؛ فعن أنس قال: لما قدم رسول الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم – المدينة، أخذ أبو طلحة بيَدي فانطلق بي إلى رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقال: يا رسول الله، إنَّ أنسًا غلامٌ كيِّس فليخْدمك، قال: فخدمتُه في السَّفر والحضَر، والله ما قال لي لشيءٍ صنعتُه: لمَ صنعتَ هذا هكذا؟ ولا لشيءٍ لَم أصنعه: لِم لَم تصنع هذا هكذا؟"؛ رواه البخاري (2768) ومسلم (2309).


    وكان أنس صغيرًا ويبدر منه ما يبدر من الصِّغار، فكان النَّبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - يغضُّ الطَّرف عن هفواتِه ولا يعاتبه.


    الخطبة الثانية


    الحمد لله رب العالمين، والصَّلاة والسَّلام على نبيِّنا محمَّد وعلى آله وأصحابه أجمعين.


    وبعد:

    ليكن التَّوجيه برِفْق مع تجنُّب الغلظة والألفاظ الجارحة حين العتب، فما كان الرِّفق في شيءٍ إلاَّ زانه، وما نزع من شيء إلاَّ شانه، ومن الخطأ التصرُّف أثناء الغضب، فالغضبان في حال غير طبعي، فلن يكون تصرُّفه مسدَّدًا غالبًا، فرغبته في تسْكين غضبِه تَحجُب عنه القرار الصَّائب؛ لذا كان من حِكْمة الشَّارع أنَّه نَهى أن يحكم الشَّخص في حال الغضب؛ فعن أبي بَكْرَة قال: سمعْتُ رسولَ الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم - يقول: ((لا يحكُم أحدٌ بين اثْنَين وهو غضبان))؛ رواه البخاري (7158) ومسلم (1717).


    وحين التَّوجيه تعدد فضائل الولد، وأنَّ فيه من صفات الكمال كذا وكذا، فيثنَى عليْه بما فيه من خير، ويوجَّه بأنَّه قريب من صفات الكمال لو فعل كذا وكذا، ولو ترك كذا وكذا.


    فحينما أراد رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - أن يوجِّه عبدالله بن عمر إلى قيام الليل قال: ((نِعْم الرجُل عبدالله، لو كان يصلِّي من الليل))، فكان بعدُ لا ينام من الليل إلاَّ قليلا؛ رواه البخاري (1112) ومسلم (2479).


    من أهم أسباب التَّأثير على الأوْلاد وانتفاعهم بتوجيه أبيهم: وجودُ الاحترام المتبادل بين الأب وأولادِه، فإذا كان الأب يُظْهِر لهم المحبَّة والاحتِرام ويُناديهم بأحبِّ الأسماء والكُنَى إليْهِم، فحينما يشعُر الولد أنَّ له قدْرًا وأنَّه محلُّ احتِرام أهله وتقْديرهم، يَحرص على المحافظة على هذا القدْر، وألا يعمل ما يحطُّ من قدْرِه، لكن إذا أُشْعِر بأنَّه لا قدر له، وأنه وعاء لكل نقيصة وخلل، لم يكُن لديْه شيء يخشى عليه.


    وليحرصِ الأب على أن يوفِّر لهم ما يستطيع توفيرَه ممَّا لا يضرُّهم، فهذا من أسباب نَجاح الأب في التَّربية والتَّوجيه، أمَّا إذا وجدت فجْوة بين الأب وبين أولادِه، ويَمتنع عن توفير ما يستطيع من طلباتِهم، ففي الغالب المراهق لا يَمتَثِل لأبيه أمرًا وربَّما أضرَّ بنفسه فأهمل دراسته، أو ترك الحلقة أو خالط مَن لا يرضاهم أبوه؛ لأجل أن يغيظ أباه، وبزعم أنَّه يعامل أباه بالمثل، فهو لا يعي الحقوق الشرعيَّة لأبيه؛ إنَّما يعامله غالبًا وفْق معايير دنيويَّة.


    العقاب البدني يَنبغي ألا يستخْدِمَه الأب والمربِّي إلاَّ بعد استِنفاذ كلِّ طرق التَّقويم وتَهذيب السُّلوك، من التَّرغيب والتَّرهيب، فيمكن أن يعاقِب الولد عقابًا معنويًّا؛ كمنعِه ممَّا اعتاده، فربَّما كان ذلك أشدَّ عليه من العقاب البدني.


    وعند الحاجة للعقاب البدني لا يُكْثِر منه؛ لأنَّ الإكثار منه يفقِدُه أثرَه، فيعتاد الولد الضَّرب، فلا يكون زاجرًا له، فيوطِّن نفسه على تحمُّل ألَم ثوانٍ وينتهي الأمرُ عند ذلك.


    وليعلم مَن يرى أنَّ التربية هي بخوف الولد من أبيه، واستعمال العقاب البدني، أنَّه مخطئ في فِعْله، فبعْدَ حين سيصِل الولد لسنٍّ لا يستطيع أبوه عقابه، ويزول خوف الولَد من أبيه، فهنا لا تسأل ما حال الولد، وليُجِل الواحد منا فكْرَه بمن حوله من جيران وأقارب وأصدقاء، فسيرى أولادًا ضحايا لهذا النَّوع من التَّربية، فلم ينفعوا أنفُسَهم، ولم ينتفِع بهم أهلوهم.


    قد يقول قائل: تربَّى بعضُنا على الضَّرب وما ضرَّه، وهذا صحيح كواقع؛ لكِن فيه خطأ من وجهين:

    الأوَّل: أنَّ هذه التربية خلاف تربية النَّبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - وهدي النَّبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - أكْمل هديٍ، ونلتمس العُذْر لمن مضى؛ لجهلِهِم بِهدي النبي في تربية الأوْلاد.


    الثَّاني: أنَّ الواقع الذي نعيشه ليْس الواقع الذي كان يُعاش قبل عشرات السنين، فالولد في السَّابق لا يَجد من يتلقَّفه ويؤْوِيه ويوفِّر له ما يُريده، بِخلاف هذا الزَّمن.


    اعلموا أنَّ أكمل النَّاس أقلُّهم استخدامًا للضَّرب، فلديْه من أساليب التَّربية التي تُغْنِيه في أغْلب أحوالِه عن العقاب البدني؛ فعن عائشةَ - رضي الله عنها - قالت: ما ضرب رسولُ الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم - شيئًا قطُّ بيدِه، ولا امرأةً ولا خادمًا إلاَّ أن يُجاهد في سبيل الله"؛ رواه مسلم (2328).


    معاشرَ الإخوة، أكثر الأوْلاد إنَّما جاء انحِرافهم عن الصِّراط المستقيم من قِبل آبائهم وإهمالهم لهم، فأضاعوهم صغارًا، فلم ينتفِعوا بأنفسهم، ولم ينفعوا آباءهم كبارًا، وهذا في الغالب؛ لكن لا يلزم من انحِراف بعْض الأولاد أن يكون ذلك بسببِ تفْريط الأبوَيْن في التَّربية، فقد يبذل الأبَوَان وسْعَهما في التَّربية من الصِّغَر، ثمَّ يحصُل من بعض الأولاد جنوحٌ عن الصِّراط المستقيم، فالأنبياء هم سادة المربِّين، ومع ذلك لم يستطيعوا هداية أشدِّ النَّاس لهم قربًا، فمثلاً نوح بذل وُسْعَه في سبيل استِصْلاح ابنه، ولَم يفتُر في دعوته وبيان مغبَّة الطَّريق الَّذي سلكه حتَّى آخر لحظة، ولَم تثمِر دعوته في هداية ابنه؛ لحكمة أرادها الله؛ {وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الكَافِرِينَ * قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ المَاءِ قَالَ لاَ عَاصِمَ اليَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا المَوْجُ فَكَانَ مِنَ المُغْرَقِينَ} [هود: 42، 43].


    ففي هذا عزاءٌ لكلِّ أبٍ بذَل وُسْعَه في تربية أوْلاده من الصِّغَر، ولَم يحصل ما كان يؤمِّله في بعضهم.


  2. #2
    عضو فعال الصورة الرمزية a5one
    تاريخ التسجيل
    Nov 2013
    رقم العضوية
    10709
    المشاركات
    312
    إعجاب متلقى
    145

    رد: موسوعة "تربية الأولاد"

    التربية بين طموح الآباء وواقع الأبناء


    كان الناس وما زالوا يستبشرون ويتفاخرون بكثرة الأبناء ويراودهم حلم بأن يرزقهم الله ذرية طيبة حسني الخلق والخلقة، يتحلون بعقيدة سليمة صلبة وعبادة خاشعة وخلق أصيل وبعقول متفتحة واعية ونفسيات مستقرة وأجسام قوية ومعرفة بواقع الحياة وظروف العصر وبنفس تفيض خيراً وطهراً وعطاءً. فهل يحقق الأبناء ذلك ؟

    واقع الأبناء:
    إن واقع الأبناء نستشفه مما نراه بأعيننا وما نسمعه من أغلب الوالدين فاليوم لا تكاد تجلس إلى أحد إلا وهو يشكو سلبية سلوك أبنائه ويخشى عليهم من هجمة الفساد وأهله، وأصبح الأبناء مصدر قلق في كثير من البيوتات،..
    وانطلق كثير من الناس يبحث عن الوقاية والحل ويسأل هنا وهناك. ومما يمكن أن تلمسه من سلوكيات الأبناء وتسمعه من شكاوى مريرة من الكثير من الأهالي ما يلي:
    - ولدي / ابنتي لا تفهمني.
    - لا يطيعني.
    - شخصية غير جادة.
    - يميل إلى الشلل ويصدق أقوالهم.
    - لا يحب العمل.
    - لا يقيم وزناً للعلم والدراسة.
    - لا يحرص على أداء الصلاة.
    - يتعلق بتوافه الأمور ويسير في الحياة بدون هدف.
    - لا يتذكر ولا يتعظ.
    - يهتم بمظاهر الترف.
    - يسهر في الليل وينام في النهار.
    - عنيف على إخوانه.
    - كثير الصراخ سريع الغضب.
    - لا يجلس مع الرجال ولا يخدم الضيف.
    - كثير الكذب والتحايل.
    - يرى نفسه في البيت كأنه غريب فلا يكاد يدخل حتى يخرج.
    - يعتبر طلباته ملزمة لوالديه ولا يصرح لهم بشيء عند مناقشته.
    - لا يثق بقدراته بل لا يعرفها.
    - يستهتر في الناس.
    - يكثر من الحديث في الهاتف.
    - لا تهتم بالحجاب.
    - تحاكي الغرب في لبسها وفكرها.
    - تمضي كثير من الوقت في زينتها.

    * إذا كان هذا هو واقع الأبناء بناءً على شهادة والديهم، فما هو واقع الوالدين؟
    إذا تفحصنا أسباب فساد الأبناء وجدنا أن عامته بسبب الوالدين أو لهم اليد الأطول فيه.فالأبناء ما بين محروم من متع الحياة وضرورياتها، وأخر ربما حصل على حاجته الجسمية فقط وحرم ما عداها لانشغال والديه أو أنانيتهما أو لعدم وعيهما بأهمية دورهما وأثرهما في حياة أبنائهم..
    قال ابن القيم – رحمه الله -: "كم ممن أشقى ولده، وفلذة كبده في الدنيا والآخرة بإهماله وترك تأديبه وإعانته على شهواته، ويزعم أنه يكرمه وقد أهانه وأنه يرحمه وقد ظلمه ففاته انتفاعه بوالده وفوت عليه حظه في الدنيا والآخرة".

    ولتوضيح ما أقصد بذلك سأعرض بعض الأساليب التربوية الخاطئة الممارسة من قبل بعض الوالدين والتي قد تكون ساهمت في سلبية سلوك الأبناء:
    * الصرامة والشدة والقسوة عليهم أكثر من اللازم إما بضربهم ضرباً مبرحاً إذا أخطئوا أو بكثرة تقريعهم وتأنيبهم عند كل صغيرة وكبيرة. يعتبر علماء التربية والنفسانيون هذا الأسلوب أخطر ما يكون على الطفل إذا استخدم بكثرة. فالحزم مطلوب في المواقف التي تتطلب ذلك. أما العنف والصرامة فيزيدان المشكلة تعقيداً، كما أن الصرامة والشدة تجعل الطفل يخاف ويحترم المربي في وقت حدوث المشكلة فقط، ولكنها لا تمنعه من تكرار السلوك مستقبلاً.. وقد يعلل الكبار قسوتهم على الطفل بأنهم يحاولون دفعه إلى المثالية في دراسته وسلوكه، ولكن هذه القسوة قد تأتي برد فعل عكسي

    * الدلال الزائد والتسامح في التعامل مع الأبناء. هذا الأسلوب في التعامل لا يقل خطورة عن القسوة والصرامة. فالمغالاة في الرعاية والدلال سيجعل الطفل غير قادر على تكوين علاقات اجتماعية ناجحة مع الآخرين أو تحمل المسؤولية ومواجهة الحياة لأنه لم يمر بتجارب كافية ليتعلم منها كيف يواجه الأحداث التي قد يتعرض لها. ولا يقصد بذلك أن يفقد الوالدان التعاطف والرحمة مع الطفل، ولكن هذه العاطفة تصبح أحياناً سبباً في تدمير الأبناء حيث تجعل الطفل يعتقد أن كل شيء مسموح في طفولته وبين أسرته،ولكن إذا ما كبر وخرج إلى المجتمع صعب عليه التعامل مع القوانين والأنظمة التي تمنعه من ارتكاب بعض التصرفات ويثور في وجهها وقد يخالفها دون مبالاة ضارباً بالنتائج السلبية المترتبة على سلوكه عرض الحائط وهذا كثيراً ما يحدث في مجتمعنا.

    * عدم الثبات في المعاملة. فعلى الكبار أن يضعوا الأنظمة البسيطة واللوائح المنطقية ويشرحونها للطفل وعندما يقتنع فإنه سيصبح من السهل عليه اتباعها. ويجب عدم التساهل يوماً ما في تطبيق قانون ثم نعود اليوم التالي مؤكدين على ضرورة تطبيقه حيث أن ذلك سيربك الطفل ويجعله غير قادر على تحديد ما هو مقبول منه وما هو مرفوض.

    * عدم العدل بين الأخوة نتيجة للفروق الفردية بينهم. فمنهم من هو أكثر ذكاءً أو أكثر وسامة أو أكثر تحبباً لوالديه وقد يجد الوالدين هذه الصفات محببة لديهم وينجذبون لمن يمتلكها من أبنائهم أكثر من أخوتهم الآخرين. ولكن هذا خطأ كبير وقد يؤذي بقية الأطفال نفسياً.

    * تربية الأبناء على الفوضى وتعويدهم على الترف والنعيم والبذخ فينشأ الأبناء مترفين منعمين همهم أنفسهم وحسب ولا يهتمون بالآخرين ولا يسألون عن إخوانهم المسلمين ولا يشاركونهم أفراحهم وأتراحهم. وفي ذلك فساد للفطرة وقتل للاستقامة والمروءة والشجاعة.

    * شدة التقتير عليهم أكثر من اللازم مما يجعلهم يشعرون بالنقص ويحسون بالحاجة وربما قادهم ذلك إلى البحث عن المال بطرق أخرى غير سوية كالسرقة مثلاً أو سؤال الناس أو الارتماء في أحضان رفقة السوء وأهل الإجرام.

    * حرمانهم من الحب والعطف والشفقة والحنان المتوازنة، مما يجعلهم يبحثون عن ذلك خارج المنزل.

    * الاهتمام بالمظاهر فحسب، فكثير من الناس يعتقد أن حسن التربية يقتصر على توفير الطعام الطيب والشراب الهنيء والكسوة الفخمة والدراسة المتفوقة والظهور أمام الناس بالمظهر الحسن. ولا يرون أن تنشئة الأبناء على التدين الصادق والخلق القويم أمرا مهما.

    * المبالغة في إحسان الظن بالأبناء حيث أن بعض الأسر تبالغ في إحسان الظن بأبنائهم فلا يسألون عنهم ولا يتفقدون أحوالهم ولا يعرفون شيئاً عن أصحابهم.

    * المبالغة في إساءة الظن بالأبناء، فمن الوالدين من يسيء الظن بأبنائهم ويبالغون في ذلك مبالغة تخرجه عن الحق فتجده يتهم نواياهم ولا يثق بهم أبداً ويشعرهم بأنه خلفهم في كل صغيرة وكبيرة دون أن يتغاضى عن شيء من هفواتهم.

    * مكث الوالدين أو أحدهما خارج المنزل طويلاً مع عدم قدرة الطرف الآخر على تغطية هذا النقص، مما يعرض الأبناء للفتن والمصائب والضياع والانحراف.

    * الدعاء على الأبناء حيث يلاحظ أن كثير من الوالدين من يدعو على أبنائه لأدنى سبب أو بمجرد أن يجد منهم عقوقاً أو تمرداً والذي لربما كان الوالدان سبباً فيه، وما فكر الوالدان أن هذا الدعاء ربما وافق ساعة إجابة فتقع الدعوة موقعها فيندمان بعد فوات الأوان وقد تناسيا في ذلك قوله – عليه وسلم -: "لا تدعوا على أنفسكم ولا على أولادكم ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة يسأل فيها عطاءً فيستجاب لكم".رواه مسلم.

    * كثرة المشاكل بين الوالدين وما له من تأثير سلبي على الأبناء.

    * التناقض بين القول والفعل من الوالدين أو أحدهماأمام الأبناء. فترى منهم من يأمر ابنه بالصدق ويكذب ويأمره بالوفاء وهو يخلف ويأمره بالبر وصلة الأرحام وهو عاق قاطع لرحمه، أو ينهاه عن شرب الدخان وهو يشربه !

    * الغفلة عما يشاهده الأبناء في التلفاز وقنواته الفضائية على اختلافها أو الانترنت وما تحويه من مواقع أو ما يقرؤوه أو يسمعوه من الوسائل الإعلامية المختلفة.

    * العهد للخادمات والمربيات بتربية الأبناء. وهذا أمر خطير خاصة إذا كانت المربية كافرة فذلك مدعاة لانحراف الأبناء وفساد عقائدهم وأخلاقهم.

    * احتقار الأبناء وقلة تشجيعهم ولذلك مظاهر عدة منها:
    أ - إسكاتهم إذا تحدثوا، والسخرية بهم وبحديثهم مما يجعل الابن عديم الثقة بنفسه، قليل الجرأة في الكلام والتعبير عن رأيه.

    ب - التشنيع بهم إذا أخطئوا أو لمزهم إذا أخفقوا في موقف أو تعثروا في مناسبة مما يولد لديهم الخجل والهزيمة.

    ج - ازدرائهم إذا استقاموا فتجد من الوالدين من يحتقر أبنائهم إذا رأوا منهم تقى أو صلاحاً واستقامة أو اتهام الأبناء بالتزمت والتشدد في الدين والوسوسة مما يجعلهم يضلون وعلى أعقابهم ينكصون فيصبحون بعد ذلك عالة على والديهم.

    * تربيتهم على عدم تحمل المسؤولية، إما لإراحتهم أو لعدم الثقة بهم أو لعدم إدراك أهمية هذا الأمر.

    * قلة الاهتمام بتعليم أبنائهم سواء ما يتعلق بالتعاون مع مدارسهم ومتابعة مستوى أبنائهم التعليمي ومدى التزامهم، أو ما يتعلق باختيار مدارسهم

    سبل العلاج:
    بعد ذكر بعض الأمثلة لواقع الأبناء وواقع الوالدين ربما يتساءل الواحد منا وما الحل أو المخرج من هذا المأزق ؟ لذلك سأذكر بعض السبل المعينة على حسن تربية الأبناء منها ما يلي:
    * صلاح الأبوين ومن ذلك العناية باختيار الزوجة الصالحة. و سؤال الله الذرية الصالحة فهو دأب الأنبياء والمرسلين والصالحين.

    * الإخلاص والاجتهاد في تربية الأبناء والاستعانة بالله عز وجل في ذلك وهو منهجإبراهيم عليه السلام وامرأة عمران. وإعانة الأولاد على البر وحسن الخلق.

    * الدعاء للأبناء وتجنب الدعاء عليهم. فإن كانوا صالحين دعا لهم بالثبات والمزيد، وإن كانوا طالحين دعا لهم بالهداية والتسديد.

    * غرس الإيمان والعقيدة الصحيحة والقيم الحميدة والأخلاق الكريمة في نفوس الأبناء وخير مصدر لذلك هو الكتاب والسنة وسيرة السلف الصالح.

    * تجنيبهم الأخلاق الرذيلة وتقبيحها في نفوسهم، فيكره الوالدان لأبنائهم الكذب والخيانة والحسد والحقد والغيبة والنميمة وعقوق الوالدين وقطيعة الأرحام والأثرة ولكسل والتخاذل وغيرها من سفاسف الأخلاق والأفعال حتى ينشأوا مبغضين لها نافرين منها.

    * تعليمهم الأمور المستحسنة وتدريبهم عليها مثل تشميت العاطس، وكتمان التثاؤب والأكل باليمين وآداب قضاء الحاجة وآداب السلام ورده وآداب استقبال الضيوف والتعاون والبحث عن المعرفة.... فإذا تدرب الأبناء على هذه الآداب والأخلاق والأمور المستحسنة منذ الصغر، ألفوها وأصبحت سجية لهم في سني عمرهم القادمة.

    * الحرص على تحفيظهم كتاب الله. وتحصينهم بالأذكار الشرعية وتعليمهم إياها. واصطحابهم في رحلات إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة وإلى مجالس الذكر والمحاضرات الدينية التي تقام في المسجد وغيرها وربطهم في ذلك بالسلف الصالح حتى يقتدوا بهم ويسيروا على خطاهم.

    * الحرص على تعليمهم بالقدوة فلا يسلك الوالدان أو أحدهما مسلكاً يناقض ما يعلمهم ويحثهم عليه لأن ذلك يجعل جهودهم لا تحقق ثمارها ويفقد نصائحهم أثرها.

    * تنمية الجرأة الأدبية وزرع الثقة في نفوس الأبناء وتعويدهم على التعبير عن آرائهم حتى يعيش كل منهم كريماً شجاعاً في حدود الأدب واللياقة.

    ومن الممارسات المعينة على ذلك:
    أ - استشارة الأبناء في بعض الأمور المتعلقة بالمنزل ونحوه واستخراج ما لديهم من أفكار مثل أخذ رأيهم في أثاث المنزل ولون السيارة المزمع شرائها للأسرة ومكان الرحلة والتنسيق لها مع طلب أن يبدي الطفل أسباب اختياره لرأي ما.

    ب - تعويد الأبناء على القيام ببعض المسؤوليات كالإشراف على أمور واحتياجات الأسرة في حال غياب الأب أو انشغاله.

    ج - تعويدهم على المشاركة الاجتماعية وذلك بحثهم على المساهمة في خدمة دينهم ومجتمعهم وإخوانهم المسلمين إما بالدعوة إلى الله أو إغاثة الملهوفين أو مساعدة الفقراء والمحتاجين

    د - تدريبهم على اتخاذ القرار وتحمل ما يترتب عليه. فإن أصابوا شجعوا وشد على أيدهم وإن أخطأوا قوموا وسددوا بلطف.

    هـ - تخصيص وقت الجلوس مع الأبناء مهما كان الوالدان مشغولين فلا بد من الجلوس الهادف معهم لمؤانستهم وتسليتهم وتعليمهم ما يحتاجون إليه فهذه الجلسات الهادفة لها من الآثار الجانبية ما لا حصر له من الشعور بالاستقرار والأمن وهدوء النفس والطباع.

    و - الإصغاء إليهم إذا تحدثوا وإشعارهم بأهميتهم وأهمية ما يقولون مهما كان تافهاً في نظر الوالدين وقد قيل أنصت لأبنائك ليحسنوا الإنصات لك.

    * تفقد أحوالهم ومراقبتهم عن بعد، ومن ذلك ملاحظة مدى أدائهم للشعائر الدينية، السؤال عن أصحابهم، مراقبة الهاتف وملاحظة مدى استخدامهم له، ملاحظة ما يقرؤونه أو ويشاهدونه في التلفاز أو يتعاملون معه في الانترنت وتحذيرهم من الكتب والبرامج والمواقع التي تفسد دينهم وأخلاقهم وإرشادهم إلى بدائل نافعة.

    * تهيئة الظروف المناسبة لإحاطة الأبناء بالصحبة الصالحة وتجنيبهم رفقة السوء، خاصة في مرحلة المراهقة. وإكرام الصحبة الصالحة للأبناء.

    * التركيز على إيجابيات الأبناء وإظهارها والإشادة بها وتنميتها، والتغافل - لا الغفلة - عن بعض ما يصدر من الأبناء من عبث أو طيش والبعد عن تضخيم الأخطاء بل عليهم أن ينزلوها منازلها ويدركوا أن الكمال لله وحده.

    * إعطاء الأبناء فرصة لتصحيح أخطائهم لينهضوا للأمثل ويتخذ الوالدين من ذلك الخطأ سبيلاً لتدريب الأبناء على حل مشاكلهم.

    * العناية باختيار المدارس المناسبة للأبناء والحرص على متابعتهم في المدارس.

    * تنمية مهاراتهم العقلية مثل التفكير الناقد والتحليل للأمور وإدراك النتائج المترتبة على سلوكياتهم وتحمل مسؤوليتها.

    * ربطهم بما يجري في مجتمعهم وفي العالم من أحداث، ومناقشتهم وتوضيح دورهم الإيجابي الذي ممكن أن يساهموا به عزة للإسلام والمسلمين وعزة لوطنهم.

    * ضرورة إدراك الوالدين أن استخدام أسلوب الانغلاق في التربية بهدف حماية الأبناء مما يحيط بهم من مؤثرات قد لا يجدي على المدى الطويل، لأن المؤثرات الخارجية أصبحت أمر لا مفر منه.والمقترح هو استخدام أسلوب الانفتاح الموجه في التربية.

    * عدم اليأس فإذا ما رأى الوالدين من أبنائهم إعراضاً أو نفوراً أو تمادياً فعليهم ألا ييأسوا من صلاحهم واستقامتهم فاليأس من روح الله ليس من صفات المؤمنين. وتذكير الوالدين أنفسهم بضرورة عدم استعجال النتائج. بل عليهم الصبر والمصابرة مع الاستمرار في العمل والدعاء لهم والحرص عليهم فقد يستجيب الله لهم بعد حين.

    * أن يدرك الوالدين أن النصح لا يضيع. فهو بمثابة البذر الذي يوضع في الأرض والله عز وجل يتولى سقيه ورعايته وتنميته.فالنصح ثمرته مضمونة بكل حال: فإما أن يستقيم الأولاد في الحال، وإما أن يفكروا في ذلك وإما أن يقصروا بسببه عن التمادي في الباطل أو أن يعذر الإنسان إلى الله.

    * استحضار فضائل التربية في الدنيا والآخرة هذا مما يعين الوالدين على الصبر والتحمل. فإذا صلح الأبناء كانوا قرة عين لهم في الدنيا وسبباً لإيصال الأجر لهم بعد موتهم. ولو لم يأت الوالدين من ذلك إلا أن يكفي شرهم ويسلم من تبعتهم.

    * استحضار عواقب الإهمال والتفريط في تربية الأبناء والتي منها أن الوالدين لن يسلما من أي أذى يرتكبه الأبناء في الدنيا وسيكونون سبباً لتعرضهم للعقاب في الأخرى.


    ملك الروح يعجبه هذا.

  3. #3
    عضو فعال الصورة الرمزية a5one
    تاريخ التسجيل
    Nov 2013
    رقم العضوية
    10709
    المشاركات
    312
    إعجاب متلقى
    145

    رد: موسوعة "تربية الأولاد"

    المربي الناجح


    • • • • •
    سواء كنت يا أخي في البيت أبًا، أو مُعلِّمًا في المدرسة، أو مُحفِّظًا في المسجد، وسواء كنتِ يا أُختي أُمًّا، أو مُعلِّمةً، أو مُحَفِّظةً، لكم جميعًا نُوَجِّه حديثنا؛ من أجل تربية إسلامية صحيحة لأبنائنا، نتحدث معًا وبإجمال أقربَ منه إلى التفصيل عن صفات المربِّي الناجح، وما يجب عليه أن يتحلَّى به، وما يجب عليه أن يتخلى عنه، ومن تلك الصفات:

    1 – القدوة:
    وهي عُمدة الصفات كلِّها؛ بل تَنبني عليها جميعُ صِفات المُربِّي، فيكون قدوةً في سُلوكه، قدوةً في مَلْبَسِه، قدوة في حديثه، قدوة في عبادته، قدوة في أخلاقه وآدابه، قدوة في حياته كلها.
    ولقد سَبَقَ أنْ تَحَدَّثْنَا فِي الجُزْءِ الأوَّل عن ذلك تحت عنوان (الاستنساخ)، وقلنا إن الطفل إذا ما افتقد القُدوة فيمَنْ يُرَبِّيهِ، فسوف يفتَقِدُ إلى كلِّ شيء، ولن يُفلِح معه وَعْظ، ولا عقاب، ولا ثواب، كيف لا وقد رأى الكبير يفْعَلُ ما يَنهاهُ عنه؟! وقلنا كذلك إنَّ عَيْنَ الطفل لكَ كالميكروسكوب ترى فيه الشيء الصغير واضحًا تمامًا، فالنظرة الحرام التي تختلسها، والكلمة القصيرة السريعة الَّتي تنطِقُ بِها وغيرُها، يستقبلها الصغير فيُخَزِّنها، ويفعل مثلها إن لم يكن أسوأَ، ولا تستطيع أن تنهاه، وإلا قال لك: أنتَ فَعَلْتَ ذلِك، وأنا أفْعَلُ مِثْلَك!! طبعًا هو لا يعانِد – غالبًا – في مثل هذه المواقف؛ ولكنه يُقلِّدُكَ، فأنت الكبير وهو يُحِبِّكَ، ويحب أن يفعل مثلما تفعل ليتشبَّهَ بكَ.

    فإن غضبتَ فشتمتَ فإنَّه سيشتُمُ عندما يغضَب، وإن طلبت منه شراء الدخان أو رَمْيَ باقي السيجارة، فسيشرب منها بعد ذلك ولو خِلْسَةً؛ حتَّى يتمكَّن مِن شُرْبِها بِحُرِّيَّة في أقربِ فرصة، فَهُو يُقَلِّدك وأنت الكبير، وإن خرجتِ الأمُّ مُتَبرِّجَةً فلن تستطيعَ إقناعَ ابْنَتِها بعد ذلك بارْتِداء الحجاب، وإن نادى المؤذِّن للصلاة وصلَّيْتَ في البيت فسيصلي في البيت، وإن ذهبت إلى المسجد فسوف يُحِبُّ الذَّهاب إلى المسجد، وإن غَفَلْتَ عنِ الصلاة ساهيًا أو عامدًا فسوف يقلِّدُكَ؛ فأنت القدوة.
    وهكذا إن طلبت منه أن يخبِرَكَ بسِرِّ أحد، أو لعبت أمامه بدون حذاء أو بغير الملابس الرياضية، وكذا إن رآك (تُبَحْلِقُ) في صور العاريات، أو فِي الفيديو، أوِ التليفزيون، أو عاكستَ أحدًا في الهاتف... إلخ.

    2 – حسن الصلة بالله:
    وهي منَ الصفات التي لا غنى للمربي عنها، وقد كنا نقصر في صلتنا بالله، فلا نرى قلوبًا مفتوحة لنا، ولا آذانًا صاغيةً، تَستَقْبِلُ بِحُبّ ما نقولُه وما نفعلُه، والعكس عندما كنا نحسن الصلة بالله، فكان الله - عز وجل - يُبارِكُ في القليل، فيستجيب الصغار لنا أسرعَ مِمَّا نتخيَّل، يُصَلُّون، ويُذَاكِرون، ويحفظون القرآن الكريم، ويظهَرُ مِنْهُم حُسن خلق أثناء اللعب، وأثناء الفسح.
    إن الصلاة في جماعة، خاصة صلاةَ الفجر، والمداومة على ورد القرآن، وأذكار الصباح، وأذكار المساء، وكثرة الاستغفار، والبُعْد عن المحرَّمات والشُّبُهات، خاصَّةً غضَّ البَصَر، والوَرَع لَفِيهَا جميعًا الخيرُ والبركة في هذا المجال، فإرضاءُ اللَّه غايةٌ، ما مِن أحد إلاَّ ويتمنَّاها ويسعى إليها؛ لِينالَ الجنَّة في الآخرة والسعادة في الدنيا، ومَن أسعد في الدنيا مِن رجل له أبناء صالحون، يحسن تربيتهم فينالُ مِنْهُم بِرًّا ودعوةً صالحةً، نسأل الله ألا يَحْرِمَنا من هذه النعمة العظيمة.

    3 – نفس عظيمة وهِمَّة عالية:
    المُربي لا بد أن يكون عظيمَ النَّفس، هِمَّتُه عالية، وإرادته قوية، ونَفَسُه طويل، لا يطلب سفاسفَ الأُمُورِ، يعلم أن تربية الأولاد في الإسلام فنٌّ له عقبات؛ كما له حلاوة، وأجر عظيم. لذلك يسعى جاهدًا أن يجعلها لِلَّه، ويُضَحّي من أجلها بِراحَتِه وبماله، وبكل شيء عنده، ويصل طموحه به إلى أن يتمنَّى أن يكون ابنه؛ كمُحَمَّد الفاتح، الَّذي علَّمه شيخُه وهو صغير أنَّ القسطنطينية سيفْتَحُها اللَّه على يد أمير مسلم، يرجو أن يكون هو، فقد قال عنه رسول الله - عليه وسلم -: ((فَلَنِعْمَ الأميرُ أميرُها، ولنِعْمَ الجيشُ ذلك الجيش))، ومن نماذج المربين وأصحاب الهمم والطموحات الكثير والكثير.

    4 – يألف ويؤلف:
    نعم مِن صفات المُرَبِّي أن يألف ويؤلف، يألف الصغار ويحبهم، ولا يأنف الجلوس معهم، يتبسط في حديثه ويتواضع، يمزح ويلعب، يلين ولا يشتد، يعطي كثيرًا بلا مقابل، ولا تفارقه الابتسامة، وكذلك يُؤْلَف عند الصغار، وإلا فلا يتصدَّى للتعليم ولا التربية، فهي مهمة ليس هو أهلاً لها، إذ إنه دائمُ التجهُّم، شديد، عنيف، لا تعرف الرحمة طريقًا إلى قلبه، فويل لأبنائه منه تمامًا؛ كمن قال لرسول الله - عليه وسلم -: "إنَّ لي عَشْرَةً منَ الولد ما قَبَّلْتُ منهم أحدًا"، فقال له الحبيب المُرَبّي - عليه وسلم -: ((مَن لا يَرحم لا يُرْحَم))، وعمر بن الخطاب عَزَل مثل ذلك الرجل عن ولاية المسلمين، فمن لا يألفه أبناؤه، لا يألفه المسلمون، وهو بالتالي لن يرحمهم.

    5 – ضبط النفس:
    شَتَمَ الصغيرُ أخاه، غَضِبَ الأبُ، وقام لِيضرِبَ الصغير، فبكى الصغير معتذِرًا عما فَعَلَ؛ لكن الأب ظلَّ غاضبًا متجَهِّمًا طوال اليوم، ورَفَضَ أن يتحدث معه.
    وفي الفصل أخطأ التلميذ فعاقبه المدرِّس وظلَّ غاضبًا طوال الحِصَّةِ، لم يبتسمِ ابتسامَةً واحدة رغم اعتذار التلميذ عمَّا فعل، أوِ اعترافه بخطئه، هذا هو ما قصدناه بضبط النفس أن تغضب ولكن ليس من قلبك، وتُعاقِبَ بمزاجك، تُعاقِبُ وأنت تهدُف من وراء العقاب شيئًا، وهو التربية؛ أي تَغْيِير السلوك؛ ولكن لا تكتشف بعد العقاب أنَّك غضبت كثيرًا، وعاقبت بشدة أكثر مما يستحقُّ السلوكُ الخطأ الذي فَعَلَهُ الصغير، وأنك عاقبتَ أصلاً كردِّ فعلٍ سريعٍ للخطأ ولم تنوِ قبل العقاب أن تغير من سلوك الصغير، وبالتالي فقد عاقبتَ بالغضب والصِّيَاح بدلاً من التصحيح الهادئ أوَّلاً، أو ضربتَ وكان الأَوْلَى أن تُظْهِر الغضب فقط، ليس هذا فحسب؛ بل مِن ضبط النفس أيضًا أن تغضب فإذا ما اعترف الصغير بخَطَئِهِ فيتلاشى غضبكَ على وجه السرعة، ويتحوَّل إلى ابتسامة رقيقة، وكذلك تتحوَّل الابتسامةُ إلى تَجَهُّم عند الخطأ، وسرعان ما يزول التجهُّم، وهكذا دون أن يُؤَثِّرَ ذلك في القلب؛ لِيُرَبِّيَ الكبيرُ الصغير، وليس العكس، فيتحكَّم الصغير في حركاته وسكناته، ابتسامِهِ وتَجَهُّمِهِ، جِدِّهِ ولَعِبِهِ.

    6 – سَعَةُ الاطلاع:
    يجب على المربِّي الاطلاعُ عامَّةً، وعلى الإصدارات في مجال الطفولة بشكل خاص؛ فالمسلم مثقَّف الفِكر، والمربِّي أَوْلَى بذلك؛ ليستطيع تعليم الصغار، وتغذيتهم أولاً بأول بالمعلومات الجديدة والمفيدة في التفسير، وفي الحديث، وفي الفقه، وفي السيرة، وفي العقيدة، وفي أخبار المسلمين، وفي الآداب والأخلاق، وفي المعلومات الإسلامية والعامة.. إلخ.
    الصغار يسألون في كل شيء، وفي أيّ شيء، فإن عجز المربي عن الإجابة، أو تَكرر تَهَرُّبُهُ منهم سقط من نظرهم، ولجؤوا لغيره؛ يسْتَقُونَ مِنْهُ معلوماتِهم، قد يكون التليفزيون، وقد يكون شخصًا سيئًا، وقد يكون مجلة داعرة، أو كتابًا فاسدًا، أو غيرَهُ.

    7 – الثقافة التخصصية:
    فالمربِّي لكي يُحسِنَ التعامل مع الصغار؛ لا بد أن يعرف خصائص كل مرحلة سِنِّية، وأن يقرأ عن أساليب التربية ومجالاتها، وكذلك يقرأ في وسائل جذب الأطفال، ويقرأ عن المشكلات النفسية والسلوكية، التي قد يُعاني منها بعض الأطفال، وقد حرصت في هذا الكتاب بجزأيه التيسير على المربي في هذا المجال بشكل عملي، لا ينقصه التنظير أيضًا، وإن كنا ننصح المربين بدوام الاطلاع على الإصدارات المطبوعة في هذا المجال، ومتابعة هذا الموضوع في الجرائد والمجلات، وببعض المواقع على شبكة الإنترنت لِمَنْ تَيَسَّر له ذلك، وإنَّ هذا الموضوعَ لَمِنَ الأهمّيَّة بمكان، بحيثُ إنَّ افتقادَه، أو ضَعْفَ المربِّي فيه، يجلب المشاكل الَّتي هو في غِنًى عنها أثناء العملية التربوية، عندما يَجِدُ طِفلاً عنيدًا ويظن أنه يفعل معه ذلك لأنَّه يكرهه، والواقع أنَّ هذه سِمَةٌ للطفل، وطبيعة فيه في مرحلة معينة، وكذلك التعرُّف من خلال الثقافة التخصصية على أن هناك فروقًا بين الأطفال، فهذا يحب القيادة، وذلك اجتماعي، والآخر كسول، وهكذا فلا تكون التربية في كُتَلٍ ثابتة؛ بل تختلف مِن طفل لآخَرَ، لذا فنحن ننصح المربي بدوام القراءة في مجال تربية الأولاد؛ من أجل الثقافة التخصصية.

    8 – الحنان:
    والمربي الذي ينقصه الحنان لا يصلح للتربية، الذي يغلب عليه التجهم، الذي يبخل بالابتسامة، الذي لا يمسح على رأس الطفل، الذي لا يعرف إلا العقاب، أما الثواب فلا حاجة به إليه، ليعلم كل هؤلاء أنه ((ليس منا من لم يرحم صغيرنا))، و((من لا يَرحم لا يُرحم))، وأنه بذلك مخالف لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مزاحه مع الصبيان، وتلطفه معهم.

    9 – التصابي:
    المربي الناجح يتصابَى للصغير، فينزل إلى مستواهم، فيُلاعبهم، ويمازحهم، ويحادثهم، لا يتكبر عليهم، ولا يطرُدُهم من مجالسه، يمشي معهم ولا يأنف ذلك، تأخذ البنت الصغيرة بيد النبي - عليه وسلم - فتنطلق به في طرقات المدينة، فلا يمنعها، ويأذن للأخرى أن تفي بنذرها فتضرب بالدف بين يديه، ويعقِدُ المسابقات بين الأطفال، ويمشي على يديه ورِجْلَيْهِ - صلى الله عليه وسلم - ويركب الحسن والحسين فوق ظهره فلا يمنعهم، يأكل معهم ويعلمهم آداب الطعام، ويُرْدِفهم خلفَهُ على الحمار؛ كما فعل مع عبدالله بن عباس، وغير ذلك مما نتعلمه منَ النبي - عليه وسلم - فلا يصح أبدًا أن نُبعِدَ أبناءنا عنا، ونتجنبهم كالجَرْبَى نقول لهم: (ابعد عني)، (هل ستُصَاحِبُنِي؟)، (أنسيت نفسك؟)، (لست في سِنِّي لتتحدث معي)؛ لكن لنُلاعِبْ أبناءنا، ونلعبْ معهم، ونذاكرْ لهم، ونجلسْ معهم، ونخاطِبْهُم على قَدْر عقولهم، وبما يفهمون هم لا بما نَفْهَمُ نَحْنُ، وإنَّ هذا لا يُنافِي الوقارَ والهَيْبَة والإجلال؛ بل يَزِيدُها - إن شاء الله - بما يلقاه من أبنائه وتلاميذه حينما يكبرون، ويجد أمامه ثمرةَ تَعَبِهِ، وكيف أنهم يكونون مع أبيهم وأمهم؛ كالأصحاب يُصارِحُونَهم بِمَشاكِلِهِمْ، وما يدور في نفوسهم وما يَشْغَلُهُم، فيسهل حلُّ مشكلاتهم، أمَّا الذي يهابُهُ أولاده، ويصبُّ عَلَيْهِم كل يوم وابلاً كثيفًا من الشتائم، ومختلِف أنواع العقوبات إلى جانب الفظاظة والغِلْظة، الَّتي يتحلَّى بِها، فَهَذَا يتمنَّى مِنْ أولاده حينما يكبرون أن يصارحوه ويحادثوه ويصاحبوه؛ ولكن هيهاتَ، فقد وضع الحاجز بينه وبينهم منذ زمن، ناهيك عن تمنِّيهِم لموته؛ ليستريحوا منه بعد طول عَناء؛ وربما يدعون عليه بعد موته فيحرم نفسه من خير كثير، وهو إحدى الباقيات الثلاث الصالحات للإنسان بعد موته ألا وهي ((ولد صالح يدعو له)).

    10 – الاتصال بأولياء الأمور:
    فالمعلِّم لابد أن يجلس مع وليِّ الأمر أو يتصل به تليفونيًّا؛ ليطمئن على ابنه، ويُنَسِّقَ معه طُرُقَ التربية، وليَعرفْ عن قُرب بيئة الصغير، ومَنِ المسيطر في البيت الأب أو الأم، وهل هناك مشاجرات بينهما أم لا؟ وهل الأب متفرغ للتربية أم لا؟ وهل الأم لا تجلس مع ابنها إلا على مائدة الطعام أم تجلس معه في غير ذلك لتطمئنَّ عليه وتتعرَّف أخبارَهُ؟ إنَّ كُلَّ ذلك سيؤثر بالطبع على الصغير بشكلٍ أوْ بِآخَرَ، فإنَّ المشاكل الأُسْرِيَّة مثلاً لها آثار جانبية تظهر في سلوك الطفل بالسلب غالبًا، فإذا ما عرف المربي هذا فلا يعاقب الطفل إلاَّ بقدر؛ لِمَا يعلم من أسباب لتلك المشكلة.
    ومن فوائد الاتصال بالبيت التنسيق مع ولي الأمر، فإذا عاقب المعلِّم تلميذه فحَرَمَهُ من رحلة مثلاً فلا يصح للأب أو الأم أن تخرج ابنها في ذات الأسبوع في نزهة مماثلة، فلا يصبح لعقاب المعلِّم جدوى، وكذلك المعلم والذي يكون تربويًّا في الغالب، فإنه يُعْلِم ولي الأمر بوسائل التربية، وطرقها ليستفيد منها في تربية ابنه، فمن هنا نعلم أهمية اتِّصال أولياء الأمور والمربين معًا؛ لتنجح العملية التربوية وتتكامل.

    11 – وضوح الهدف:
    المربّي الناجح يضع أمامه دومًا الهدف من التربية، والفوائد الدينية، والدنيوية العائدة عليه؛ بل عليه أن يضع له أهدافًا جزئية كل فترة زمنية، فيقول مثلاً: في خلال هذا العام سيحفظ أبنائي جُزأين من القرآن، ويتعلمون ثلاثة أخلاق إسلامية، ويتعلمون ثلاثة آداب يومية، ويتقنون مهارة الإنشاد أو الكتابة على الكمبيوتر، ويعرفون كل شيء عن الأزهر، والمُتْحَف الإسلاميِّ مَثَلاً، ويعرفون أعداءهم اليهود، وما فعلوا مع رسول الله - عليه وسلم - ويعرفون أجدادهم العَشَرَةَ المُبَشَّرِينَ بالجنة، وكذا يعرفون خطأين شائعينِ في المجتمع، وهكذا يضع المربِّي أمامَهُ هَدَفًا عامًّا، وهو تَرْبِية الطفل تربيةً إسلاميَّةً صحيحةً، وتحته أهداف جزئية كما سبق.

    12 – تحصيل الثمرة:
    فالمربي الناجح ليس هو الذي يَظَلُّ أعوامًا طويلةً يجلس مع الأطفال، ويَبْذُلُ معهمُ المجهود في أشياء لا طائل منها، ولا يأخذ منهم ثمرة أولاً بأوَّلَ، فقد يعطيهم زادًا ثقافيًّا، وقد يُحَفِّظُهُم نصف القرآن؛ ولكن أخلاقَهُم سيئةٌ في أول مباراة يلعبونها مع بعضهم بعضًا، تظهر الأنانية والسَّبُّ واللَّعْن والتباغُضُ فيما بينهم، فالتربية كانتْ ثقافيَّةً لم تتعدَّ ذلك، أما الجانب التطبيقيُّ أو الجانب العمليُّ فقد تَنَحَّى جانبًا، وهو المهمُّ في العملية التربويَّة، فلْنطلُبِ الثمرةَ؛ ولكن لا نَسْتَعْجِلْها، فكلٌّ بقَدَرٍ، والزمن جزءٌ منَ العلاج.

    ملك الروح يعجبه هذا.

  4. #4
    عضو فعال الصورة الرمزية a5one
    تاريخ التسجيل
    Nov 2013
    رقم العضوية
    10709
    المشاركات
    312
    إعجاب متلقى
    145

    رد: موسوعة "تربية الأولاد"

    أخطاء وأمراض المربين





    الحمد لله وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.



    وبعد:

    في مسيرة الصحوة الإسلامية المباركة عقبات كثيرة متراكمة بتراكم الأيام والسنين التي بعدت فيها الأمة عن دينها، وفي محاولة لإزالة تلك العقبات في إحدى مجالات الدعوة، ألا وهي التربية الإسلامية، يأتي هذا المقال.



    لا شك أن التربية هي من أهم المتطلبات في بناء جيل جديد، تُعلق عليه بعد ربهِ الآمالُ والطموحات في إعادة بناء الأمة، والسعي للتمكين الذي هو وسيلة لإقامة العبودية على الأرض.



    وإن كنا نسعى لإيجاد جيل جديد ينصر دين الله عز وجل فهو يحتاج إلى جيش من المربين، وكلما كان هذا الجيش ذا همة وكفاءة وخلا من الأمراض والأخطاء، كان نجاحنا في هذه المهمة أكبر وأسرع.



    ونتناول بإذن الله عز وجل بعض الأمراض والأخطاء التي تصيب أو يقع فيها بعض المربين، نسأل الله عز وجل أن يصلحنا ويصلح بنا ونكون من المفلحين.



    1- عدم التأهل، والتصدر المبكر:

    فإن من تصدر قبل أوانه فقد تصدى لهوانه، فأحيانًا يتصدر الحدث لعدم وجود غيره بين إخوانه، والتربية أمر معقد بتعقيد فهم النفوس والتعامل معها، وتحتاج إلى دراية كبيرة بعلم الأخلاق والنفوس والخبرة بطباع الناس ومهارة الاتصال بهم، وهذا ما لا يحسنه كثير من الناس، ونتكلم هنا على من عنده الملكة، ولكن يحتاج إلى الخبرة ومطالعة كتب المتخصصين، فهذا يوفر عليه الكثير من التخبط.



    2- كثرة الخلطة مع المربى:

    إن المربي بشر له طباع وهفوات، ومن أخطر الأمور أن يطلع عليها المربَّى، فهذا يفقده الثقة في مربيه، خصوصًا في البداية، حيث يستشعر التناقض منه، وكان أحد السلف يتصدق في طريقه إلى معلمه ويقول: "اللهم أخفِ عني عيبَ معلمي".



    3- الانتقاد الدائم والتعنيف للمربّى:

    فيجب على المربي أن يكون رفيقًا بالمربى، خصوصًا في البداية، فالنفوس تنفر من الانتقاد والتعنيف مع ما فيها من رواسب جاهلية، فهذا يولد نفورًا من هذا المربي، بل قد يصل الأمر إلى انتقاده والصد عنه.



    4- دخول المربي في جدال مع المربى في قضايا لا يحسنها:

    قد يطرح المربى قضية أمام المربي ليناقشه فيها، فإذا كان المربي ليس لديه خبرة بهذه القضية فلا يستحْيِ من إظهار جهله بها، فهذا أفضل من أن يكتشفه المربى، بل يحيله على أهل التخصص بها من أهل الثقة، ولا يخوض نقاشًا لا يحسنه، فهذا فيه تربية بعدم التكلم بغير علم.



    5- كثرة المزاح مع المربى:

    إن هذا من أكبر الأخطاء التي قد يقع فيها المربي؛ فإن كثرة المزاح تسقط الهيبة وتولد الأحقاد، قال أحد السلف ناصحًا ابنه: "يا بني لا تكثر من المزاح، فيحقد عليك الكبير، ويستخف بك الصغير"، إنها نصيحة عامة، ولكنها أخص بالمربي، ولا مانع من الملاطفة والتبسم ولكن بدون إفراط، وقد ضربَ المربي الأعظم أروع نموذج في هذه المسألة، فقد كان ضحكه عليه وسلم تبسمًا.



    6- عدم سماع عذر المربى:

    كثيرًا ما يخطئ المربى من وجهة نظر المربي، فلا يدع له فرصة لبسط أسبابه، بل يبادره بالتعنيف أو التخطئة، مما يشعر المربى بالتسلط والظلم من جهة المربي.



    7- عدم مراعاة الفروق الفردية للمربى:

    قد يضع المربي برنامجًا للتربية، ويوحده على جميع من يتعامل معهم، ولا يراعي فيه الفروق الفردية أو اختلافات الأفراد، ثم تجده يشتكي من عدم الامتثال والتباطؤ.



    8- تعنيف المربى أمام أقرانه:

    إذا صدر من المربى أمر يستحق التعنيف عليه، وكان ممن يحتمل هذا التعنيف ولا ينفر منه، فيجب أن لا يكون ذلك أمام أقرانه، فهذا قد يكسر قلبه.



    9- اعتراف المربي بالخطأ إذا أخطأ:

    فيجب أن لا يتكبر على الاعتراف بالخطأ، ويتذرع بالخوف من ذهاب ثقة المربى، فإن اكتشاف المربى للخطأ بعد ذلك أخطر عليه، واعتراف المربي بالخطأ فيه تربية له على ذلك، وهذا من مكارم الأخلاق.



    10- الاهتمام ببعض أو أحد المتربين دون الآخرين:

    وهذا قد يكون مرضًا، وقد يكون خطأ، ونتكلم الآن على الخطأ، فهذا يكسر قلوب الآخرين، ويولد بينهم وبين من اهتم به المربي شحناء، وربما سعى بعضهم إلى تخطئته أمام المربي.



    11- تهميش المربى داخل الفريق:

    ربما كان المربى بطيء الفهم أو بطيء الحركة، فيجب على المربي البحث له عن المهام التي تناسب مهاراته ويشعره أن ما يقوم به لا يقل في شيء عما يقوم به إخوانه، فبعمل الكل نتكامل، وإذا حدث العكس وأشعره بأن ما يقوم به لا أهمية له، فإن ذلك يكسر قلبه ويصيبه بفتور.



    12- عدم وضع منهج مدروس للتربية:

    فالتربية العشوائية وعدم مراعاة التدرج في التربية وما تحتاجه كل مرحلة وكيفية التعامل مع المربى في كل مرحلة يحدث الكثير من الخلل والتخبط.



    13- تربية المربى على آراء المربي وتصوراته الخاصة في كل مجال:

    مثل أن يكون تصور المربي عن الدعوة أن تكون عن طريق توزيع الأشرطة أو طلب العلم أو الجهاد، فيصب مجهوده التربوي في هذا التصور فقط، فينشأ جيل أعور المفاهيم.



    14- اطلاع المربى على الخلافات التي لا يحسن فهمها:

    فهذا يضره كثيرًا، فالواجب على المربي ترسيخ المبادئ أولا في كل مجال لدى المربى مع شرح أدب الخلاف له.



    15- اختلاف المربين أمام المتربين:

    فمع الخلاف يكون أحدهم مخطئًا، فيظهر ذلك أمام المربى، وقد يتدخل في النقاش على أساس أنه طرف يؤيد أحد المختلفين، وربما تجرأ ووصف مربيه بضعف الحجة، وتسول له نفسه أنه حاج شيخه وانتصر عليه، ويصعب على المربى التسليم لشيخه بعد ذلك.



    16- التعامل مع المربى وكأنه طفل:

    يجب احترام المربى بل المبالغة في ذلك، فهذا يعطي فعلا عكسيًا باحترام المربى للمربي، بل وكل الناس، والحذر من التعامل معه على أنه طفل يسمع ويطيع فقط ولا يستشار، فهذا ينتج شخصية مهزوزة هشة، غير مؤهلة لتصدر في يوم من الأيام، بل يجب أن يناقش ويستشار.



    17- الحذر في المعاملات المادية بين المربي والمربى:

    فهي كثيرة المشاكل، وقد تفسد العلاقة بينهما، و في الغالب يحاول المربى الإحسان إلى المربي، مما يجعله يتجاوز عن الكثير من حقوقه، فيستمرئ المربي الأمر فينقلب إلى الأكل بالدين.



    18- الاهتمام بالمربى فقط دون من حوله:

    من والديه أو إخوانه، فيجب الاهتمام بوالد المربى على سبيل المثال حسب الإمكان فهذا يسهل مهمة المربي.



    19- عدم مراعاة العادات والتقاليد التي لم ينه عنها الشرع:

    فإن نهي المربي عنها برغم عدم ورود دليل من الشرع على حرمتها قد يعطي تصورًا للمربى بأن مربيه متشدد.


    أمراض المربين:

    ملاحظة: جميع هذه الأمراض تصب في عدم الإخلاص، شَعَر بذلك المربي أو لم يشْعر.



    1- مجانبة الإخلاص:

    تعتمد التربية على الاحتكاك المباشر بين المربي والمربى، وفي كثير من الأحيان يتعمد المربي فعل الشيء ليقتدي به المربى، وهذا عمل شاق يحتاج إلى الكثير من المجاهدة لتحري الإخلاص، والتفريق المستمر بين المصلحة وبين الرياء، خصوصًا مع مرور الزمن، يغفل المربي عن مراقبة النية ويقع المحظور.



    2- حب التزعم والتوقير:

    يتجه البعض إلى مجال التربية لما فيه من التزعم والتوقير من المتربين، إذ إن المربي متبوع، وهو لا يقبل أي تهاون أو تقصير في توقيره أو أي مساس بتزعمه للمجلس.



    3- التعصب للرأي بحيث لا مجال للمخالفة:

    حتى وإن كان الأمر سائغًا، فمبدأ المخالفة والاستقلالية مرفوض، وإظهار المخالفة وكأنها سوء أدب مع المربي، وهذا من أخطر الأمراض التي يكتشفها المربى بمرور الوقت والنتيجة معروفة.



    4- الميل للمدح وحب القرب من أهله:

    والعكس كذلك مع عدم مراعاة الأفضل من جهة القابلية للتربية، فالمادح مقرب وإن كان من أفشل الناس، والذي لا يحسن المدح له العدل فقط وإن كان لدية مهارات ويستطيع أن يتحمل مهامًا، ولكنه لا يحسن فن المدح.



    5- اختلاق الخلاف من أجل اختبار الطاعة:

    أحيانًا يكون المربى من أصحاب الرأي، وإن لم يكن في مجال التربية، فيختلق المربي الخلافات من أجل التأكيد أنه ما زال هو المربي.



    6- الحزن عند ترقي المربى والبعد عنه:

    فمن المفترض أن يفرح المربي لذلك أيما فرح، فقد نجح في مهمته ولكن صاحبنا تقمص شخصية الأم التي تحزن لفراق ابنها وتغار من زوجته.



    7- التربية على عدم التخلي عن المربي:

    وهذا ليتلافى نتيجة المرض السابق، فرأي المربى دائمًا، وإن كان صوابًا، ناقص حتى يُتِمََّه المربي، أو على الأقل يطلع عليه، وبدون ذلك فهو على خطر ويتجرأ على دين الله.



    8 - الحزن عند انشغال المربى عن المربي:

    حتى وإن كان ذلك في العمل الدعوي أو حتى العبادة.



    9- الحزن والغضب عند تردد المربى على مربٍ آخر:

    وخصوصًا إذا أتى من عنده برأي يخالف المربي وإن كان سائغًا، فتقوم الدنيا ولا تقعد، ويبدأ الهجوم المضاد والتخطئة وهجر المربى قليلا من باب (خليه ينفعك).



    10- عشق المربى:

    هذا لعمر الله مرض خطير غريب، والمراد بذلك توقي الشغف بالمربى، وشدة التعلق والولع به، وتحميل النفس فوق طاقتها في خدمته والتقرب إليه، وتمني الصحبة الدائمة والحزن وعدم الاستقرار عند الغياب، والبحث عن ما يجعله قريبًا حتى وإن خرج الأمر عن برنامج التربية، بل ربما انقلب الحال فيصبح المربي هو التابع، المهم هو دوام القرب والآلفة.



    من وجد في نفسه شيئًا مما ذكرنا، فليبادر بالتوبة، والعمل على التخلص من هذا المرض أو ذاك الخطأ، ومن لم يجد فليحمد الله.



    هذا وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


  5. #5
    عضو فعال الصورة الرمزية a5one
    تاريخ التسجيل
    Nov 2013
    رقم العضوية
    10709
    المشاركات
    312
    إعجاب متلقى
    145

    رد: موسوعة "تربية الأولاد"

    رسالة إلى مربٍّ



    لا شكَّ أننا في الحقل التربوي نصبو إلى هدفٍ أسمى، ومطلبٍ أعلى، نطمح إلى بناء ابنٍ؛ رُوحيًّا وعقليًّا وجسميًّا؛ ليصبحَ جديرًا بالرسالة المنوطة به، قادرًا على تنفيذ مهامِّه، ولكي يتحقَّق هذا الهدفُ المنشود، فلا سبيل إلى ذلك إلا بإعلاء هِمّته، واستثارة إرادته.



    أيُّها المربي الكُفء، كُنْ مثل الطبيب الحاذق الذي يشخِّص الداءَ، ويصفُ له الدواء الناجع، والحكيم الأريب الذي يضعُ الأمور في موضعها، اعتنِ بغرسك تجنِ أطْيبَ الثمار وأنضجها، ارْوِ في نفس ابنك بذورَ الهِمَّة، تنبتْ قوة العزيمة، وتُورق سموَّ الأهداف، وتثمرِ العمل المبدع الخلاَّق.



    وصدق أبو العلاء المعرِّي حين قال:
    وَيَنْشَأُ نَاشِئُ الْفِتْيَانِ مِنَّا
    عَلَى مَا كَانَ عَوَّدَهُ أَبُوهُ



    ورَحِمَ الله القائلَ:
    قَدْ يَنْفَعُ الأَدَبُ الأَوْلاَدَ فِي صِغَرٍ
    وَلَيْسَ يَنْفَعُهُمْ مِنْ بَعْدِهِ أَدَبُ
    إِنَّ الْغُصُونَ إِذَا عَدَّلْتَهَا اعْتَدَلَتْ
    وَلاَ يَلِينُ وَلَو لَيَّنْتَهُ الْخَشَبُ



    وأسوقُ إليك أيُّها الأخ المربِّي بعضَ وسائل الارتقاء بهِمَّة أبنائنا، وهذا غيضٌ من فيض، ولكن ما قلَّ وكفَى خيرٌ مما كَثُرَ وأَلْهَى.



    أولاً: تبصير الابن بطبيعة نفسه:

    ♦ ابحث في نفس ابنك عن جوانب القوة، ومواطن الرِّفعة، وأمِطِ اللِّثاَمَ عنها، وزكِّها في نفسه؛ لتصير كائنًا حيًّا ملموسًا يدفعه إلى العُلا، ويحضُّه إلى السمو، اجعلْ مِن نفسه نفسًا توَّاقة تعانق النجومَ، وتداعب الثُّريَّا، وكَرِّرْ على سمعه، وضَعْ نُصبَ عينيه قولَ الخليفة الراشد عمر بن عبدالعزيز: "إن لي نفسًا توَّاقة، لم تزلْ تتوق إلى الإمارة، فلمَّا نلتُها، تاقتْ إلى الخلافة، فلمَّا نلتُها، تاقتْ إلى الجنة".



    ثانيًا: تحبيب الابن في العلم والصبر في تحصيله:

    ♦ اغرسْ في نفس ابنك حبَّ القراءة والاطلاع، وناقشْه وشجِّعْه، واذكرْ له من العلماء الذين خلَّد التاريخ ذِكْرَهم، وكُتبتْ أسماؤهم بأحْرُف من نور في سماء العلم، مثل: (البخاري، والقرطبي، وابن الهيثم، وابن خلدون، ، والرازي، وغيرهم الكثير والكثير).

    وليكن شعاره قولُ الله - تعالى -: ﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾ [المجادلة: 11].



    ♦ عوِّدْه الصبرَ في تحصيل العلم، وصَيِّرْ مرارة الصبر حلاوة يتذوَّقها حينما ينتفع بالعلم وينفع به؛ ليحرص دائمًا على تحصيله، ولتكنْ له عِبرة في أسلافنا العظماء، وقال ابن تيمية عن جده: "كان الجدُّ إذا دخلَ الخلاء، يقول لي: اقرأ في هذا الكتاب، وارْفعْ صوتك حتى أسمعَ"، نعم لقد عَلَت نفوسُهم، وسَمَتْ بهم إلى أرحبِ الآفاق، فحقَّقوا المجدَ الصعب.



    وصدق الشاعر الحكيم إذ يقول:
    وَتَجَشَّمُوا لِلْمَجْدِ كُلَّ عَظَيْمَةٍ
    إِنِّي رَأَيْتُ الْمَجْدَ صَعْبَ الْمُرْتَقَى



    ثالثًا: تشجيع الابن في صائب رأْيه:

    ♦ لقد روى البخاري في صحيحه أنَّ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كان يُدخلُ عبدالله بن عباس - رضي الله عنهما - وهو غلام حدثٌ مع أشياخ بدر، قال ابن عباس: كأنَّ أحدَهم وجَدَ في نفسه، فقال: لِمَ تُدخلُ هذا معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر: "إنه من حيث عَلِمْتُم، فدعاني ذات يومٍ فأدْخَلَني معهم، فما رأيتُ أنه دعاني إلا ليريهم، قال: ما تقولون في قول الله - تعالى -: ﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ﴾ [النصر: 1]؟ فقال بعضُهم: أمرنا أنْ نحمدَ الله ونستغفره إذا نُصرنا وفُتح علينا، وسكتَ بعضُهم، فلم يقل شيئًا، فقال لي: أكذلك تقول يا ابن عباس؟ فقلت: لا، قال: ماذا تقول؟ قلت: هو أَجَلُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أَعْلَمَه له، قال: ﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ﴾، وذلك علامة أجلك، ﴿ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ﴾ [النصر: 3]، فقال عمر: ما أعلمُ منها إلا ما تقول.



    ♦ وهكذا كان أمير المؤمنين والخليفة الراشد نموذجًا فذًّا، ومربِّيًا خبيرًا، حيث يقوّي في نفْس الابن الثقة، ويُعْلي من شأْنه، ويزكِّي هِمَّته، ولا عجب؛ فهو وأصحابُه تربَّوا في مدرسة النبوَّة، وصاروا قِمَمًا لا تُسامَى، وما أروع شاعر الرسول حين يقول عنهم:
    إِنْ كَانَ فِي النَّاسِ سَبَّاقُونَ بَعْدَهُمُ
    فَكُلُّ سَبْقٍ لأَدَنَى سَبْقِهِمْ تَبَعُ



    فاتَّخذْ أيُّها المربِّي الكريم القدوة والعِبرة من هؤلاء الأعلام؛ تصلْ إلى بُغيتك، وتروِ غُلَّتك.



    وفَّقنا الله جميعًا لما يحبُّه ويرضاه، وعلى الله قصدُ السبيل.


  6. #6
    عضو فعال الصورة الرمزية a5one
    تاريخ التسجيل
    Nov 2013
    رقم العضوية
    10709
    المشاركات
    312
    إعجاب متلقى
    145

    رد: موسوعة "تربية الأولاد"

    أيها المربي هل أنت سعيد؟



    حاجتنا إلى المربين أكثر من حاجتنا إلى المدرسين، فإذا جمَع المدرس بين الصفتين: التربية والتعليم، فقد جمع بين الحُسنَيين.



    المربي الأكثر إنتاجيَّة هو السعيد، يُقبل على عمله سعيدًا، ويُغادره سعيدًا، ويتمنَّى أن يعود إليه.



    إنَّ الموظفين السُّعداء في عملهم هم الأكثر نشاطًا وإنتاجيَّة من غيرهم.



    من هو الموظف الذي يبذل جهدًا أكبر؟

    هو الموظف السعيد؛ لأن السعادة في العمل تؤدي إلى زيادة الإنتاج والرِّبح والجودة.



    إن الناس يعملون بجهدٍ أكبر إذا كان واضحًا ما هو مطلوب منهم؛ لأن هناك الكثيرين الذين لا يعرفون ما هو المطلوب منهم، فهل أنت منهم؟



    لدى الكثير من المؤسسات مقاربة مختلفة بشأْن الطريقة التي يجب أن يعاملَ بها الموظفين، مثل: تسهيل تردُّدهم على الأندية الرياضية، أو توفير الفاكهة لهم خلال العمل، هل يوفِّرون لك الفاكهة؟



    فمِن مَصْلحتنا أن يحصلَ عُمَّالنا وموظَّفونا على قسطٍ كافٍ من النوم.



    لا تَطلبوا من موظِّفيكم العمل في أوقاتٍ غير ملائمة.



    بعض صفات المربي - المدرس الناجح:

    ليس من السهل أن تكون مدرسًا ناجحًا؛ إنَّك في حاجة إلى جُهد وصبرٍ.



    الصبر والجهد كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان عند الممارسة والتطبيق، ومن شروط التفوُّق تكثيفُ التداريب.



    في مجال العلاقات الإنسانية:

    • أن يكون متحمِّلاً للمسؤولية.

    • أن يكون قادرًا على التصرُّف بحِكمة وأسلوب صحيح.

    • أن يكون قويَّ الأعصاب، وأن يكون كاظمًا غَيْظَه.

    • أن يتحلَّى باللياقة والمُرونة، والتواضُع والتعاون والموضوعيَّة.

    • أن يُهيِّئ للمتمرسين أسباب الراحة النفسية؛ مما يشجِّعهم ويُحفِّزهم على العمل.

    • أن يَحرِص على وَحْدة القسم وتماسُكه.

    • أن يكون عدلاً مُنصفًا.

    • أن يعمل على كسْب محبَّة وثقة زُملائه.

    • أن يسعى لتوسيع قاعدة الاشتراك في اتخاذ القرار.

    • أن يعامل الآخرين بكرامة واحترام، وألاَّ يُقلِّل من قيمة الآخرين.

    • أن يسمح للآخرين بالتمتُّع بالحرية والحقوق والامتيازات التي يتمتَّع بها هو، ويشجِّعهم على ممارستها.


    في مجال المميزات العلمية والمهنية:

    • أن يكون متمكِّنًا من المادة العلمية، قادرًا على تنزيلها والتحكُّم في مساراتها ببراعة وإتقان.

    • أن يُجيب بـ: لا أدري إذا استشكَل عليه الأمر، ويؤجِّل الإجابة إلى وقت لاحقٍ يُحدِّده ويلتزم به.

    • أن يكون مُطلعًا على طُرق التدريس: قديمها وحديثها.

    • أن يُجدِّد ويَبتكر في مجال العمل؛ وَفْقًا لمنهج مُحكم مُنضبط.

    • أن يوفِّر الجوَّ العلميَّ والثقافي، وذلك بالاستعانة بمكتبة المدرسة، ومكتبة القسم العلميَّة.

    • أن يُتيح لزملائه فرصة مناقشة الموضوعات المطروحة للبحث، ويؤكِّد لهم أنَّ اختلاف الرأي لا يُفسد للودِّ قضيَّة.



    العملية التعليمية التعلُّمية عملية تواصلية بامتياز:

    فما المقصود بالتواصُل؟

    مفهوم التواصل: يُفيد التواصل في اللغة العربية الاقترانَ والاتصال، والصِّلة والترابط، والالتئام والجَمْع، والإبلاغ والانتهاء، والإعلام والإخبار، أمَّا في اللغة الأجنبية، فكلمة ommunication تعني: إقامة علاقة وتراسُل وترابُط، وإرسال وتبادُل، وإخبار وإعلام. وهذا يعني أنَّ هناك تشابهًا في الدلالة والمقصود بين مفهوم التواصُل العربي والتواصل الغربي.



    ما وظائف التواصل؟

    • وظيفة إقناعيَّة: تعتمد على الحُجج المنطقيَّة والشرعية والأدلة.

    • وظيفة إمتاعيَّة: إمتاع النفوس وتسليتها، ومخاطبة القلوب وتزكيتها.

    • وظيفة تبادُلية: تراسُلية وتفاعلية وتجاذُبيَّة.

    • وظيفة تعليمية: تعلُّم - دراسة - تربية.



    وليس كل تواصُل ناجحًا.



    فمتى يكون التواصل ناجحًا؟

    يكون التواصل ناجحًا إذا تحقَّقت فيه أعلى نسبة من الأهداف المسطرة سلفًا.



    عَلامَ يعتمد التواصل الصفي؟

    يعتمد التواصل الصفي - بين المعلم وطلابه بشكلٍ كبير - على الأسئلة التي يَطرحها المعلم أثناء الدرس، والتي يُطلق عليها في العادة اسم الأسئلة الصفيَّة، فهي الوسيلة التي تجعل التعلُّم الصفي فعالاً نَشِطًا، متغيِّرًا، مثيرًا للتفكير، ومُحَفِّزًا على التحصيل، ومساعدًا على التقويم والبناء والإدماج.



    الأسئلة بمثابة أدوات ووسائل توصِّل إلى شَحْذ تفكير الطلبة، ووسيلة كذلك لربْطهم بمشكلات الحياة العملية، ربطًا يستدعي التفكير الجاد الفعال، والأسئلة مهارة ضرورية يجب أن يُتقنها كلُّ مربٍّ ومعلِّمٍ، كما يجب على المربين والآباء أن يُعلِّموا التلاميذ والطلبة آليات طرْح السؤال؛ لأن طرْحَ السؤال بفعالية يقتضي البحث عن الجواب المناسب.



    إنَّ ذهنَ الإنسان يشتغل بشكلٍ غير واعٍ، مستجيبًا لمثيرات السؤال؛ إذ تجده مُنهمكًا في البحث والتفتيش من حيث لا يدري؛ حتى يتحقَّق المقصود، ويَعثر على الجواب، أو الأجوبة المناسبة للسؤال المختلج في العقل الباطن.



  7. #7
    عضو فعال الصورة الرمزية a5one
    تاريخ التسجيل
    Nov 2013
    رقم العضوية
    10709
    المشاركات
    312
    إعجاب متلقى
    145

    رد: موسوعة "تربية الأولاد"

    الأبناء صفحة بيضاء، فماذا كتبنا فيها؟



    أما بعد:
    فأوصيكم - أيها الناس - ونفسي بتقوى الله - عز وجل – {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 200].

    أيها المسلمون:
    نعمة الإيمان أعظم النِّعم وأجلُّها، وحين يُرزَق العباد مع الإيمان أمنًا وطمأنينةً، ويكسَون ثيابَ عافيةٍ، ويوسع لهم في أرزاقهم، فقد استكملوا أركان النعم، وأخذوا بمجامعها؛ إذ بالإسلام تزكو القلوب، وبسَعة الأرزاق ترتاح النفوس، وبالعافية تنشط الأبدان في طاعة الرحمن؛ قال - سبحانه -: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [آل عمران: 164]، وقال - جل وعلا -: {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} [قريش: 3، 4]، وقال - عليه الصلاة والسلام -: ((مَن أصبح منكم آمنًا في سربه، معافًى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حِيزتْ له الدنيا)).

    وقد ربط الله الأمن والهداية بالإيمان؛ فقال - سبحانه -: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} [الأنعام: 82]، وإنه لما كانت هذه البلاد قبل توحيدها تعيش حالةً من الجهل بالله وضعف الإيمان، فقد ابتُليتْ بذهاب الأمن وقلة الطمأنينة، وشحَّتْ فيها مواردُ الأرزاق، وضاقت سُبُلُها، وكان مَن يملك في الليل مالاً لا يأمن عليه في النهار، وربما أمسى أحدهم غنيًّا فأصبح فقيرًا، أو أصبح ناهبًا وأمسى منهوبًا، وكم ليلةٍ أمسى غالبًا وأخرى بات مغلوبًا! حتى جاء الله بمَن وفقه وبارك فيه من علماء هذه البلاد ورجالها المخلصين، فأعادوا للدِّين نضرته، وجدَّدوا معالم السُّنة بعد اندراسها، ونشروا العلم الشرعي ووجهوا الناس إلى طلبه، وسنُّوا من الأنظمة المبنية على الشريعة ما حفظوا به على الناس أرواحَهم ومقدراتهم.

    وقد عاش الناس على هذه الحال عشرات السنين مطمئنين، يتفيؤون في ظلِّ الأمن والإيمان، ويقطفون ثمار العلم والهدى، رغدًا في العيش، وبركةً في الأرزاق، وراحةً للنفوس، وسعةً في الصدور، وعافيةً في الأبدان، وأمنًا على الأموال، ومحبةً بينهم وألفةً واجتماعًا، والأمر في كل ذلك في يد العلماء والولاة، والآباء قائمون بأمر الله فيمَن تحت أيديهم، والصغار يقدِّرون الكبار ويوقرونهم؛ إلا أنه ومع انتشار وسائل الإعلام، وتوفر أجهزة الاتصال، ومع انفتاح الناس على العالم الآخر بما فيه من أمراضٍ وأدواءٍ - حدثتْ في هذا المجتمع تغيراتٌ غير محمودةٍ، وحصلتْ في المفاهيم انقلاباتٌ غير مأمونةٍ، ونبتت نوابتُ كأنما ملَّتْ مما بين أيديها من النعم.

    أو كأنما زهدتْ فيما حباها الله من صنوف النعيم، فصار منهم انحرافٌ عن الصراط المستقيم، وبدا منهم زهدٌ في مقومات الحياة الإسلامية الكريمة، وفرَّطوا في أسباب العيشة الإيمانية الراضية، حتى رأينا من شبابنا اليوم فتيانًا غريبةً هيئاتُهم، مريبةً تصرفاتُهم، بعيدين عن الأسلاف في سماتهم وصفاتهم، تفكيرُهم سطحي غير عميقٍ، وغاياتهم دنيئة غير شريفةٍ، متهورون في قيادتهم، متعجِّلون في سيرهم، لا يقيمون لصلاةٍ وزنًا، ولا يرعون لكبيرٍ قدرًا، ولا يعرفون لقرينٍ حقًّا، شبابٌ يدور مع الشهوة حيث دارتْ، ولا يفكِّر في غير اللَّذة أينما كانت، كأنما هم غربانٌ حول حفرةٍ ذات جيفٍ، إن كتبوا ففي الشهوات، وإن تكلَّموا فحولها، وإن بحثوا فعنها، تقيمهم وتقعدهم، وتؤنسهم وتفزعهم، وتفرقهم وتجمعهم، فأين نشأ أولئك الفتية وأين تربوا؟ أليسوا قد ترعرعوا في بيوتنا؟! ألم يجلسوا في مجالسنا ويدرسوا في مدارسنا؟! فما السر إذًا فيما نراهم عليه من حالٍ لا ترضي اللهَ ولا تُفرح عبادَ الله؟!

    إنه في قنوات التلقِّي ومصادره، وإذا كان الولد ينشأ في الماضي على ما عوَّده عليه أبوه، فإنه في الحاضر ينشأ على ما هيَّأه له أبوه، فإن هيأ له البيئة الصالحة المصلحة، وحفِظه في ذهابه وإيابه، وراقبه في خروجه ودخوله، وتفحَّص ما تقع عليه عينُه، وما تسمعه أذنُه، إن كان حريصًا على إسماعه القرآنَ، وكلامَ أهل الإيمان، ومصاحبته الأخيار وأهل التقى، لا يرضى له أن يرافق إلا ذوي العقول الناضجة، ولا يسمح له أن يماشي إلا أصحابَ الأهداف السامية، أقول: إن كان ذلك شأنه، فلن يرى منه إلا كل خيرٍ، ولن يعود على مجتمعه إلا بكل خيرٍ.

    وأما إن كان الأب قد هيأ له بيئةً عفنةً منتنةً، فيها الجرائد والمجلات، والقنوات والفضائيات، وأجهزة الألعاب الساقطات، التي تنقل كل شر، وتبث كل سوءٍ، وتعوده الجريمة وتبيِّن له طرقها، وغفل مع ذلك عن مراقبته، وضعُف عن متابعته، وأسلمه لرفاق السوء وجلساء الشر، ممن هم في كل وادٍ يهيمون، يفسدون ولا يصلحون، حينًا في البراري أو الاستراحات، وحينًا في المطاعم أو على جوانب الطرقات، أقول: إن كان هذا هو الجو الذي يعيش فيه الولد، فما أسوأَ حظَّه! وويلٌ لأبيه منه وأمِّه، وتعس مجتمعٌ يرجو منه خيرًا، أو ينتظر منه عزًّا.

    وإنها لخيانةٌ أيما خيانةٍ، وتفريطٌ في الواجب وتضييعٌ للأمانة، أن يهب الله الرجلَ الولدَ نقيًّا طاهرًا، كأن قلبه صفحةٌ بيضاءُ، ثم يُلقِي بهذه الصفحة النقية في مزابل الحياة ولا يصونها، لا يغرس في قلب هذا الولد حبَّ الله ولا حب رسوله، ولا يحفظ فطرته ولا يرعاها، ولا يأمره بمعروفٍ ولا ينهاه عن منكرٍ، ولا يحثه على صلاةٍ ولا ينشئه على طاعةٍ، ولا يردعه عن كبيرةٍ ولا يحول بينه وبين معصيةٍ؛ قال - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه البخاري: ((ما مِن عبدٍ يسترعيه الله رعيةً، فلم يحطها بنصحه، إلا لم يجد رائحة الجنة))، وفي رواية مسلمٍ: ((ما من عبدٍ يسترعيه الله رعيةً، يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته، إلا حرَّم الله عليه الجنة)).

    ألا فلنتَّقِ الله - عباد الله - فإن تأثير الوالدين في تنشئة الأبناء كبيرٌ، فهم الذين يوجهونهم الوجهة الصالحة، ويرعون فيهم الفطرة السليمة، وهم الذين في المقابل يحولون بينهم وبين الهدى، ويسلكون بهم سُبل الضلال والرَّدى، في الصحيح عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال - صلى الله عليه وسلم -: ((ما مِن مولودٍ إلا يُولَد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه، كما تنتج البهيمة بهيمةً جمعاء، هل تُحِسون فيها من جدعاء؟))، ثم يقول أبو هريرة: واقرؤوا إن شئتم: {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} [الروم: 30].

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [الأنفال: 27، 28].


    الخطبة الثانية

    أما بعد:
    فاتَّقوا الله - تعالى - وأطيعوه، وراقبوا أمره ونهيه ولا تعصوه.

    أيها المسلمون:
    إن دينكم هو أغلى ما ملكتُم، وطاعة ربكم هي أعز ما كسبتم، وإن التفريط في الدِّين، والتفلُّتَ من الطاعات، والتهاونَ في الأخلاق الكريمة، ونبذَ الشمائل المحمودة، ورؤية الدِّين يضعف في نفوس الأبناء، ثم لا يتحرك في أبٍ ساكنٌ، ولا يدفعه للحفاظ عليه همٌّ - إنه لضربٌ من ضعف الإيمان، وشعبةٌ من النفاق، وإنه ما ذاق عبدٌ لذة الإيمان ووجد حلاوته، وما خالطتْ بشاشتُه قلبَه، ووجد برد اليقين في صدره، إلا وجدتَه حامدًا لله على نعمة الهداية والإيمان، شاكرًا لأنعم ربِّه، محافظًا عليها، متجنبًا الغرورَ والطغيان، حريصًا على إيصال الخير للآخرين، وخاصةً من تحت يده؛ قال - عليه الصلاة والسلام -: ((ثلاثٌ مَن كنَّ فيه، وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما، وأن يحب المرءَ لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يُقذَف في النار)).

    فإلامَ السِّنة والغفلة، أيها الآباء والمربُّون؟! وإذا كنتم قد ذقتم حلاوةَ الإيمان فعلاً، وعشتموه واقعًا، فحتى متى التفريط في تربية الأبناء؟! حتى متى ترك الحبل لهم على الغارب؟! إلى متى وبعض الآباء لا يحسن من التربية إلا أن يغرس في نفوس أبنائه كُرهَ الآخرين، وحبَّ الاعتداء عليهم، أو ظلمهم، أو أخذ حقوقهم؛ لأنهم ليسوا من جنسه، أو قبيلته، أو عشيرته؟! كيف تسمح له نفسُه - وهو يدَّعي الإيمان - أن يغفل عن تعليمهم الخيرَ، وتذكيرهم بعظيم النعم، ثم يتركهم لقنوات الشر، وأجهزة الفساد، تضلهم وتدمر حياتهم؟!

    إنه لم يَذق طعمَ الإيمان مَن رأى المفسدين يتخطَّفون أبناءه من حوله، ثم مضى وكأن الأمر لا يعنيه، لم يذق طعمَ الإيمان مَن نام وقنواتُ الشر في بيته تفسد أبناءه، لم يذق طعم الإيمان من نام وأبناؤه ساهرون على المعاصي والموبقات، وإنها لمصيبةٌ ألا يربِّي الأبُ ولدَه، ثم يسمح لغيره أن يفسد فطرته.

    ومن هنا، من هذا المنبر العظيم، الذي وقف على مثله رسول الله، فإننا نناشدكم اللهَ أن تتَّقوه في أبنائكم، فتُخرِجوا أجهزة الباطل من بيوتكم، وتحفظوا أبناءكم من أصحاب السوء والفتنة، وتحُولوا بينهم وبين التجمعات التي لا ترضي اللهَ في الاستراحات وغيرها، وأن تدلُّوهم على أهل الخير ومؤسسات الخير، وتحرصوا على أن يصاحبوهم ويعملوا معهم، ويشاركوهم الدعوة إلى الله وتعليم كتاب الله، ويساهموا في حفظ أمن بلادهم وراحة أهلها، لا أن يكونوا معاول هدمٍ في كيان أمتهم وبناء مجتمعهم، أو مصدر إزعاجٍ لولاتهم وإخوانهم المسلمين.

    اتقوا الله في هذه الأموال التي تنفقونها في شراء السيارات، وتوفير أجهزة الإفساد والقنوات، وكفِّروا عن هذه الخطايا بالإنفاق في كل سبيلٍ فيها صلاحٌ لأبنائكم، وحفظٌ لفِطَرهم، وادعموا مكاتب الدعوة، وجمعيات التحفيظ، والدور النسائية، والمؤسسات الخيرية؛ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6].


  8. #8
    عضو فعال الصورة الرمزية a5one
    تاريخ التسجيل
    Nov 2013
    رقم العضوية
    10709
    المشاركات
    312
    إعجاب متلقى
    145

    رد: موسوعة "تربية الأولاد"

    التربية.. قواعد وأصول


    التربية.. قواعد وأصول أجمع المربون على أهمية التربية، فهي الضمان الوحيد للتصدي للتيارات المناهضة لما تؤمن به الأمة من مبادئ وقيم، في عصرٍ تقاربت فيه المسافات وتعددت فيه وسائل الاتصالات.

    إن إدراك المربي للهدف من التربية يساعده في تحديد الوسائل والطرق والأساليب التي يسير عليها في تربيته للناشئين ولنفسه وللآخرين، والهدف الأسمى من التربية هو: تنمية قدرات الفرد وإطلاق إمكانياته، وتقوية شخصيته إلى أقصى حد تسمح به استعداداته.

    وفي ضوء هذا الهدف تنبثق الأهداف الفرعية الموصلة إليه:

    1) تعريف الفرد بخالقه، وبناء العلاقة بينهما على أساس: ربانية الخالق وعبودية المخلوق، وإعداد الفرد للحياة الآخرة، وذلك من واقع الكتاب والسنة والسيرة النبوية وسير السلف الصالح.

    2) تطوير وتهذيب سلوك الفرد، وتنمية أفكاره، وتغيير اتجاهاته؛ بحيث تنسجم مع الاتجاهات الإسلامية، والسعي لتحقيق السمو النفسي، لكي نقيم مجتمعاً قوياً ومترابطاً.

    3) تدريب الفرد على مواجهة متطلبات الحياة المادية، وكسب الرزق الحلال والتأكيد على ذلك.

    4) توجيه المسلمين لحمل الرسالة الإسلامية إلى العالم.

    5) غرس الإيمان بوحدة الإنسانية، والمساواة بين البشر، والتفاضل إنما هو بالتقوى، بالإضافة إلى تقوية روح الجماعة.
    6) تحقيق النمو المتكامل المتوازن لجميع جوانب شخصية الفرد؛ فالإنسان: جسم وروح وقلب وعقل وعواطف وجوارح.

    الأسرة في الإسلام ودورها التربوي

    الأسرة هي اللبنة الأولى في تكون المجتمع البشري؛ بصلاحها واستقامتها وتراحمها يصلح المجتمع ويستقيم ويتراحم، وبفسادها يفسد المجتمع وتتهاوى أواصره، فمن خلال الأسرة يستلهم الطفل انفعالاته الأولى في: الحب والكره والغضب والحلم والتعاون والأنانية. فهي جسر العبور بالطفل إلى العالم الأوسع، حيث إنها تعلمه الاحترام والتقدير وتحمل المسؤولية، وتعده للتكامل وتُشبع عنده الحاجة إلى الاستقرار العقلي والعاطفي.

    ومعظم مشاعر الطفل تتمركز حول الأم والأب؛ بحيث تميل إلى أن تصبح اتجاهاته وتوقعاته الاجتماعية نسخةً من اتجاهاتهما وتوقعاتهما، ويحدث هذا التعلم قبل أن يكون للطفل إدراكٌ واعٍ بنفسه وبالآخرين.

    إن علاقة الطفل بوالديه ترسم مستقبلاً طبيعة تكوينه النفسي، وسمات شخصيته، وطبيعة علاقته بالآخرين، فقد بينت العديد من الدراسات أن الأطفال الذين يرون أنه بالإمكان العيش مع الناس، والتعاون معهم، والتضحية من أجلهم، كانت علاقاتهم إيجابية مع والديهم، في حين أولئك الأطفال الذين يعتقدون أن العلاقات الاجتماعية عبارة عن قانون الغاب، كانت علاقاتهم سيئة مع والديهم، كما وُجِدَ أن السلوك المضطرب للوالدين ينعكس بالمِثْل على الأبناء؛ فالأطفال الذين تعرَّضوا لصرامة مفرطة في البيت أظهروا ميلاً للعدوانية أكثر من سواهم، في حين وُجِد أن الأطفال الذين يعتقدون أن الطبيعة البشرية خيِّرة بالأساس قد أقاموا علاقات إيجابية مع الوالدين، أكثر من أولئك الذين يرون الناس أشراراً بطبيعتهم.

    وكما أن للوالدين حقاً على أولادهم؛ فإن للأولاد حقاً على والديهم، فالله عز وجل كما أمرنا ببر الوالدين، أمرنا أيضاً بالإحسان إلى الأبناء.

    قال المناوي: لأن يؤدِّب الوالد ولده، ويُنشئه على أخلاق الصالحين، ويصونه عن مخالطة المفسدين، ويُعلِّمه القرآن والأدب، ويُسمعه السنن وأقاويل السلف، ويعلمه من أحكام الدين مالا غنى عنه- خيرٌ له من أن يتصدق بصاع؛ لأنه إذا أدَّبه صارت أفعاله مع صدقاته الجارية تدوم بدوام الولد، وصدقة الصاع ينقطع ثوابها.

    وعلى الرغم من عظم مسؤولية الأبناء؛ إلا أن الكثير منا قد فرَّط بها واستهان بأمرها، ولم يرعها حق رعايتها، فأضاعوا أبناءهم، وأهملوا تربيتهم، فهم لا يسألون عنهم، وإذا رأوا منهم تمرداً أو انحرافاً بدؤوا يتذمرون ويشكون من ذلك، وما علموا أنهم السبب الأول في ذلك التمرد والانحراف، متناسين أن الأدب غذاء النفوس وتربيتها للآخرة. فرسالة الوالدين رسالة عظيمة لو أحسَنَا تأديتها لفازا بخير الدارين بإذنه تعالى.
    قال - صلى الله عليه وسلم -: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له).

    هذا وقد يحسب بعض الناس أن جهل الوالدين بأصول التربية الصحيحة سبب سوء سياستهما ومعاملتهما لأطفالهما، غير أن الدراسات الحديثة بيَّنت أن النضج الانفعالي للوالدين من أهم العوامل في تنشئة الطفل، فالثقافة والعلم بشروط التربية السليمة لا تنفع الوالدين إن لم يكن لديهما قدرٌ كافٍ من النضج الانفعالي الذي يعينهما على تحمُّل أعباء التربية، وتكاليف تبعاتها، وما تتطلبه من تضحية وإنكار للذات، مع حزم وحب يعطي ولا يأخذ، فماذا تنفع الثقافة ومعرفة أصول التربية مع انفعالٍ حاد وشراسة في الطبع؟

    إن الأم الحانية والأب المتزن- وما يتسمان به من متابعة لأبنائهما بالعقل الواعي والمعاملة الطيبة- يصنعان ما لا يصنعه كبار علماء التربية، حتى لو لم يعرفا تفاصيل التربية.
    ولقد دلت تجارب العلماء على ما للتربية في الأسرة من أثر عميق خطير- يتضاءل دونه أثر أية منظمة اجتماعية أخرى- في تعيين الشخصيات وتشكيلها، خاصة في مرحلة الطفولة المبكرة وذلك لعدة أسباب منها:

    1) أن الطفل في هذه المرحلة لا يكون خاضعاً لتأثير جماعة أخرى غير أسرته.

    2) أنه في هذه المرحلة سهل التأثر وسهل التشكيل، شديد القابلية للإيحاء والتعلم، قليل الخبرة، عاجزٌ، ضعيف الإرادة، قليل الحيلة.

    3) ثبت أن السنوات الأولى من حياة الطفل فترة خطيرة في تكوين شخصيته، وتتلخص هذه الخطورة في أن ما يُغرس في أثنائها من عادات واتجاهات وعواطف ومعتقدات يصعب أو يُستعصى تغييره أو استئصاله فيما بعد، ومن ثم يبقى أثراً ملازماً للفرد خلال سنوات عمره المقبلة.

    4) إن الطفل يولد نقياً من كل الشوائب، فقد قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: (ما من مولود إلا ويولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه). ولو تُرك الطفل على هذه الفطرة من غير تأثير لما كان إلا مسلماً، ولكن الحجب والقدوة السيئة قد تحول دونها.

    لذا فواجب الأبوين المسلمين رعاية فطرة الأبناء، والاجتهاد في تحسين تربيتهم، ولا يكفل للوالدين النجاة يوم الحساب إلا أن يبذلا ما في وسعيهما لصلاح رعيتهما، فقد أمرنا المولى عز وجل قائلاً:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6].

    وقال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} [الطور:21].

    ومن هنا نؤكد على الوالدين وكل المربين أن يتقوا الله في هذه الأمانة، فهم يوم القيامة عنها مسؤولون، وقد عرف أعداؤنا أهمية الأسرة، فحرصوا على تمزيق أواصرها، وسلكوا من أجل ذلك كل السبل: فتارة بالدعوة إلى الإباحية وتفكيك روابط الأسرة، وأخرى بدعوى المرأة إلى التخلي عن واجباتها الأسرية، وثالثة بإحلال المؤسسات التربوية الجماعية محل الأسرة.


  9. #9
    عضو فعال الصورة الرمزية a5one
    تاريخ التسجيل
    Nov 2013
    رقم العضوية
    10709
    المشاركات
    312
    إعجاب متلقى
    145

    رد: موسوعة "تربية الأولاد"

    التربية عن طريق السلوك العملي



    من أساليب التربية وطُرُقِهَا التي رَبَّى الإسلامُ والسنة النبوية بها المسلمين - التربية بالعمل، ويتجلَّى ذلك بصورة رائعة في فرائض الإسلام، وما تبعثه في المرء من قوة الإرادة، وتزكية النفس، والحرص على النظام والتوازن، وما تشيعه بين الناس من مساواة وتكامل وتضامن، وما تعكسه على المجتمع من تَمَاسُك وتكافُل، وعلى البيئة من جمالٍ وبهاء وصفاء.


    فالصلاة رياضة جسمية، يُشْتَرَطُ فيها النظافة، التي تتحقق بالطهارة من الحَدَث الأكبر والأصغر، وطهارة الثياب والمكان؛ وبهذا يحافظ المُصَلِّي على نظافته الشخصية، وعلى نظافة وجمال المكان الذي هو فيه، والبيئة التي تضمه، وهذه هي (التَّربية الصِّحيَّة)، ثم إنه يتابع الحركات؛ قياماً، وركوعاً، وجلوساً، وسجوداً، فتلك (تربية جِسمِيَّةٌ وبدنيةٌ)، ثم إنه يقرأ القرآن الكريم؛ فَيَتَدَبَّره، ويَتَفَكَّر فيه، وتلك (تربية عقلية وفكرية)، ثم إنه يُسَبِّح الله - تعالى - ويمجده وينزهه، ويتوجه إليه وحده بالعبادة، وتلك (تربية إيمانية وعقائدية)، ثم إنه يدعو الله تعالى، وتطيب نفسه بالتوسل والتضرع إليه، وتلك (تربية روحية)[1].



    والزكاة عبادة مالية يفرضها الله - تعالى - على الأغنياء من المسلمين؛ فَيُطَهِّر بذلك نفوسَهُم من الشُحِّ والبُخْلِ، ويُنَقِّي طباعهم من الأَثَرة، ويغرس في أخلاقهم الجود والإيثار والمواساة.



    وهذه الزكاة التي تؤخذ من الأغنياء تُصْرَف إلى فقراءِ المسلمين ومساكينهم؛ فتُزيل ما في نفوسهم من حقد أو حسد للأغنياء، فتطيب بذلك نفُوسُهُم، وتَصْفُو طَبَائِعُهُم، وتَتَرَقَّى أخلاقُهُم، ويشيع التآلف والتحابُّ بين المسلمين، أغنيائِهم وفقرائِهم، في مجتمعٍ متكافلٍ متوازنٍ، لا تتكدس فيه الثروات في أيدي البعض، ويبقى البعض فقيراً مُعْدَماً؛ وهو ما عبر عنه الحق - سبحانه - بقوله: ﴿ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ ﴾ [الحشر: 7].

    وفي الصيام تربية لإرادة الفرد، وهو منهج فذّ في الإسلام في تربية الإرادة؛ حيث يدربها في ظلال الحظر، تدريباً ربانيّاً على أن تفعل أو لا تفعل، فتتحمَّلُ المَشَاقَّ، راضيةً مرضيةً، مراقِبةً لربها، مأمورةً بأوامِرِهِ، بلا سلطان لأي إنسان. وهذه سِمَةٌ لا توجد في أية مِلَّةٍ، ولا في أية نِحْلةٍ.

    فليس هناك رقيبٌ أو رئيسُ عَمَلٍ يمسك سَوطاً يُلْهِبُ به ظهر الإنسان ليعمل، إنما هناك الرقيب الأعلى؛ الذي يعلم ما يَلِجُ في الأرض وما يخرج منها، وما ينزل من السماء وما يعرج فيها.

    فالأثر التربوي للصيام يتلخص في تربية الروح وتربية الخُلُق، حيث يتعودُ الإنسان ضبطَ نفسه ومجاهدة شهواته؛ وبذلك تتقوى الإرادة فيه، وهي (تربية اجتماعية)؛ إذ يجعل الفردَ يفكر في حاجة الفقير والمحتاج، وفيه شعور بالمساواة والإخاء، وفيه (تربية جسدية)؛ إذ يروض الجسم، ويقويه، ويجعله قادراً على تَحَمُّلِ المَشَاقِّ، فضلاً عن الجوع والعطش[2].

    ثم يأتي الحج ليكمل تلك المنظومة التربويَّة الإسلامية بطريق العمل، وبالرغم من أنه مفروض مرة واحدة في العمر؛ فإن أثره في النفوس والأرواح يدوم طويلاً؛ ولذلك قلما تجد امرأً أدى فريضة الحج، إلا وتراوده نفسه بمعاودة أدائه مرات ومرات، بل إنَّ شَغَفَ من أدى تلك الفريضة بإعادتها وتكرارها مرات أخرى أشدُّ - في كثير من الأحيان - من شغف من لم يتيسر له أداؤها.

    فالحاجُّ يترك مالَهُ وأهلَهُ ووطنَهُ في أيام الحج، التي يتجَرَّد فيها من كل مُغْرِيات الدنيا، ويُقبِلُ بروحه وقلبه على خالقه سبحانه، فيشعر بالحياة الطيبة في كَنَفِ الله تعالى؛ فتتهذب مشاعره، ويترقى وجدانه، فما أعظمَها من تربية وجدانية ورُوحية!

    ثم إنه يتجرد من ملابسه وجاهه وسلطانه؛ ليقف جنباً إلى جنب بملابس الإحرام إلى جوار غيره من المسلمين؛ فيزداد الاتحاد بينهم، ويشعر الجميع بأن الذي يربط بينهم جميعاً هو رباط الإيمان بالله تعالى، وحبله المتين الذي من تمسك به نجا، ومن تركه ضلَّ وغوى؛ قال تعالى: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً ﴾ [آل عمران:103].
    ـــــــــــــــــــــــــ
    [1] ينظر: تربية الناشئة في ضوء السيرة، للشيخ عبد الله بن إبراهيم الأنصاري، ص (244).
    [2] ينظر: المؤتمر الرابع، ص (246).


  10. #10
    عضو فعال الصورة الرمزية a5one
    تاريخ التسجيل
    Nov 2013
    رقم العضوية
    10709
    المشاركات
    312
    إعجاب متلقى
    145

    رد: موسوعة "تربية الأولاد"

    التربية عن طريق القدوة الصالحة


    إن المناهجَ والنظرياتِ التربويةَ في حاجةٍ دائمةٍ إلى من يُطَبِّقُهَا ويعملُ بها، وبدون ذلك تظلُّ تلك المناهجُ والنظرياتُ حِبراً على ورق، لا تتحقق جدواها ما لم تتحول تلك المناهجُ إلى سلوكٍ عَمَلِيٍّ يسير عليه الأفرادُ في تَصَرُّفَاتِهِم وَمَشَاعِرِهم وأفكارِهم[1].

    ولذا كان المنهجُ الإلهيُّ - في إصلاحِ البشريَّةِ وهدايتِها إلى طريقِ الحقِ - مُعتمِداً على وجودِ القُدْوَةِ التي تحوِّل تعاليمَ ومبادئَ الشريعةِ إلى سلوكٍ عمليٍّ، وحقيقةٍ واقعةٍ أمام البشر جميعاً؛ فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو القدوةَ التي تترجم المنهج الإسلامي إلى حقيقة وواقع، قال تعالى: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ [الأحزاب: 21]، ولما سُئِلَت أم المؤمنين عائشة – رضي الله عنها - عن خُلُقِهِ - صلى الله عليه وسلم - قالت: ((كان خُلُقُهُ القُرآنَ!))[2].

    مواقفُ من السيرة النبوية تبيِّنُ أهميةَ القُدوة وأثرَها:
    ولقد تجلَّى تأثيرُ القُدوة في صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجَدوَاها الكبيرة - التي لا تتوافر لمجرد الدعوة النظرية - في كثير من المواقف التي كان لها ظروفُها الخاصَّة؛ حيث لا يُجدِي فيها مجردُ الأمر والكلام النظري، بل لا بد فيها من التطبيق العملي؛ ليتعمق أثرُها في النفوس، ومن ذلك ما يلي:
    1- الزواجُ من امرأةِ الابنِ بالتَّبَنِّي:
    كانت عادةُ التَّبَنِّي مُتَأَصِّلَةً بين العرب قبل الإسلام، وكانوا يعاملون الابن بالتبني معاملةَ الابن من الصُّلبِ؛ فيحرِّمون الزواجَ من امرأتِهِ، ويُعظِّمون هذا الأمر جدّاً، فلما جاء الإسلام وَحَرَّم التَّبَنِّي، وأراد اقتلاعَ آثار الجاهلية من نفوس المسلمين؛ لم يكتفِ - في ذلك - بالدعوة النظرية لتحريم التبني وهدم آثاره؛ بل دَعَمَ تلك الدعوةَ النظرية بالتطبيق العملي؛ فأُمِر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالتزوج من زينبَ بنتِ جحش - رضوان الله عليها - التي كانت زوجةً لزيدِ بن حارثة، الذي تَبَنَّاه الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - وكان يُدْعَى زيدَ بنَ محمد؛ قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَي لاَ يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً ﴾ [الأحزاب: 37].

    وهكذا أجرى الله - عز وجل - إبطالَ الآثار الجاهليةِ للتبنِّي "على يد النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ومولاهُ زيدِ بن حارثة، وابنةِ عمته زينب بنت جحش؛ ليكون درساً عمليّاً قويّاً، في تحقيق ما أمر الله - تعالى - به، وتنفيذه؛ مهما كانت الرَّغبةُ والهوى، ومهما كانت الآثارُ والنتائجُ.

    وهذا شأن المؤمن دائماً مع اللهِ - تعالى - وأوامرِهِ؛ يسمعُ ويطيعُ، ويلبي ويستجيبُ، رَغِبَتْ نفسه في ذلك أم لم تَرْغَبْ، وافقَ المجتمع - مِن حولِه - أم لم يوافِق، رضي الناس عن فعله أم كرهوا!! فالأمر أولاً وأخيراً لله رب العالمين"[3].

    2- النَّحْرُ والحَلْقُ للتحلُّلِ من عُمْرَةِ الحُدَيِبِيَةِ:
    لما صدَّ المشركون الرسولَ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابَه عن البيت الحرام، حين أرادوا العمرة عام الحديبية، وبعد إبرام الصلح مع قريش؛ كان وقع ذلك عظيماً على صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما أمرهم - عليه السلام - بنحر ما معهم من الهَدْي ليُحِلُّوا من إحرامهم؛ لم يستجب أحد من الصحابة لهذا الأمر، مع شدةِ حرصهم على طاعتِه، صلى الله عليه وسلم.

    وهنا يتجلى الأثرُ العظيم للقُدوة؛ إذ أشارت أمُّ سَلَمَةَ - رضوان الله عليها - على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقوم هو أولاً فينحرَ بُدْنَهُ ويحلقَ شعرَه؛ لأن صحابته سيقتدون به عند ذلك لا محالة، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "فخرج، فلم يكلم أحداً منهم حتى فعل ذلك، نَحَرَ بُدْنَهُ، ودعا حالقَه فحلقه، فلما رأى الناس ذلك قاموا فَنَحَروا، وجعل بعضهم يحلق بعضاً، حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً غمّاً!"[4].

    ففي هذه القصة دلالة ظاهرة على التفاوت الكبير بين تأثير القول وتأثير الفعل؛ ففي حين لم يتغلب القولُ على هموم الصحابة وتألُّمِهم مما حدث؛ فلم ينصاعوا للأمر؛ نجدهم بادروا إلى التنفيذ؛ اقتداءً بالرسول - صلى الله عليه وسلم - حين تحوَّل أمرُهُ القَولي إلى تطبيقٍ عمليٍّ؛ حتى كاد يقتل بعضهم بعضاً. ولهذا يدعو الإسلام إلى دعم القول بالعمل، ومطابقة الأفعال للأقوال، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ *كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ ﴾ [الصف: 2, 3].

    ويطول بنا الأمر جدّاً؛ لو حاولنا استقصاء المواقف التي كان فيها الرسول - صلى الله عليه وسلم - قدوةً لأصحابه، وإنما يمكن القول - إجمالاً - بأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان قدوة لأصحابه في كل شيء، وفي جميع المجالات..

    ففي الغزوات يتقدمُ الصَّحابةَ، أو يوجِّههم من مركز القيادة، وكان في غزوة الخندق يربطُ الحجر على بطنه! ويحفر الخندق مع الصحابة، ويرتجز مثل ما يرتجزون؛ فكان مثالاً للمُرَبِّي القدوة، يتبعه الناس، ويعجبون بشجاعته وصبره، صلى الله عليه وسلم.

    وكان قدوةً في حياته الزوجية، والصبرِ على أهله، وحُسن توجيهِهِنَّ، فقال صلى الله عليه وسلم: ((خَيْرُكُم خَيْرُكُم لأهْلِهِ، وَأَنا خَيْرُكُم لأَهْلِي))[5].

    وكان قدوةً في حياته الأبوية، وفي حُسن معاملته للصِّغار، ولأصحابه، ولجيرانه، وكان يسعى في قضاء حوائجِ المسلمين، وكان أوفى الناس بالوعد، وأشدَّهم ائتماناً على الودائع، وأكثرَهم ورعاً وحذراً من أكل مال الصدقة، أو الاقتراب مما استرعاه الله من أموال المسلمين.

    وكان أفضلَ داعيةٍ إلى الله - سبحانه - يصبرُ على الشدائدِ الناجمةِ عن كيد أعداء الله وأعداء الفضيلة وتواطئهم، وكان حازماً لا يفقد حزمَه في أشدِّ المواقفِ هولاً وهَلَعاً وجَزَعاً؛ لأن ملجأَهُ إلى الله -سبحانه - يستَلْهِمُ منه القوةَ والصبر، وموقفُهُ من ثقيفٍ في الطائفِ - عندما ذهب لدعوتهم - خير دليل على ذلك[6].

    تأثيرُ القدوةِ الصالحةِ في الأطفال:
    لا يَسْهُلُ على الطفلِ إدراكُ المعاني المجردة؛ لذا فهو لا يقتنعُ بتعاليمِ المربي وأوامره بمجرد سماعها، بل يحتاج مع ذلك إلى المثالِ الواقعيِّ المشاهَدِ، الذي يدعمُ تلك التعاليمَ في نفسِهِ، ويجعله يُقْبِلُ عَلَيها ويَتَقَبَّلُها ويعملُ بها.

    وهذا أمرٌ لم يَغْفُل عنه السَّلَفُ الصَّالِحُ، بل تَنَبَّهُوا له، وأَرْشَدُوا إليه المربين، فها هو عمرُو بن عتبةَ يُرشِد مُعلِّمَ ولدِه قائلاً: "لِيَكُنْ أولَّ إصلاحُكَ لِبَنِيَّ إصلاحُك لنفسِك؛ فإن عيونَهم معقودةٌ بعينك، فالحَسَنُ عندهم ما صَنَعْتَ، والقبيحُ عندهم ما تركتَ!"[7]؛ وهذا يؤكدُ أنه لا سبيل إلى التربيةِ السليمةِ إلا بوجود قُدوةٍ صالحةٍ تغدو نموذجاً عمليّاً للامتثال للأوامر، والاستجابة لها، والانزجار عن النواهي، والامتناع عنها[8].

    وقد كان شبابُ الإسلام وناشئوه في عصر النُّبوَّةِ يحرِصون على الاقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتقليدِهِ ومحاكاتِهِ في جميع أمورِهِ؛ في وُضُوئِهِ، وصلاتِهِ، وقراءَتِهِ للقرآن، وقيامِهِ، وجلوسِهِ، وكرمِهِ، وجهادِهِ، وزهدِهِ، وصلابتِهِ في الحق، وأمانتِهِ، ووفائِهِ، وصبرِهِ... إلخ[9].

    ومما يروى من ذلك:
    ما أخرجه البخاريُّ عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: ((بِتُّ عند خالتي ميمونةَ ليلةً، فقامَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فلما كان في بعض الليل، قام رسول الله فتوضَّأ من شَنٍّ معلَّقٍ[10] وُضوءاً خفيفاً، ثم قام يصلي، فقمتُ فتوضَّأتُ نحواً مما توضأَ، ثم جئتُ فقمتُ عن يساره، فحوَّلني فجعلني عن يمينِه، ثم صلى ما شاء الله...)) الحديث[11].

    وأولُ المطالَبين بالقدوةِ الحسنةِ هما الوالدانِ؛ لأنَّ الطفلَ الناشئَ يراقبُ سلوكَهما وكلامَهما، ويتساءل عن سبب ذلك، فإن كان خيراً فخير.. فهذا عبدُ الله بن أبي بَكْرَةَ يراقبُ - وهو طفلٌ - أدعيةَ والدِهِ، ويسألُه عن ذلك، ويجيبُه والدُه عن دليلِ فِعْلِه هذا:
    فعن عبدِ الله بن أبي بَكْرَةَ - رحمه الله - قال: (قلتُ لأبي: يا أبتِ، أسمعُك تقول كلَّ غَدَاةٍ : "اللهمَّ عافني في سمعي، اللهم عافني في بصري، لا إله إلا أنت"، تكرِّرُها ثلاثاً حين تصبحُ، وثلاثاً حين تمسي؟! فقال: يا بني، إني سمعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يدعو بهن، فأنا أحب أن أَسْتَنَّ بِسُنَّتِهِ)[12].
    فالوالدان مطالبان بتطبيق أوامرِ الله - تعالى - وسنةِ رسوله - صلى الله عليه وسلم - سلوكاً وعملاً، والاستزادةِ من ذلك ما وَسِعَهم ذلك؛ لأنَّ أطفالَهم في مراقبةٍ مستمرَّةٍ لهم، صباحَ مساءَ، وفي كل آنٍ، "فقدرةُ الطفل على الالتقاطِ الواعي وغيرِ الواعي كبيرةٌ جدّاً، أكبرُ مما نظنُّ عادةً، ونحن نراه كائناً صغيراً لا يدرِك ولا يَعي"[13].

    فوائدُ القدوةِ الصالحةِ في تربيةِ النشءِ:
    تؤتي القدوةُ الصالحةُ فوائدَ تربويةً عظيمةً في تنشئةِ الصغارِ، نذكر منها:
    • تحقيقُ الانضباطِ النفسيِّ، والتوازنِ السلوكيِّ للطفلِ.
    • وجودُ المَثَلِ أو النموذجِ المُرْتَقَبِ في جانبٍ من الكمال (الخُلُقِي، والديني، والثقافي، والسياسي)؛ حيث يثيرُ في النفسِ قَدْراً كبيراً من الاستحسان والإعجاب والتقدير والمحبة.
    • مستوياتُ الفهمِ للكلامِ عند الناس تتفاوتُ، لكنَّ الجميعَ يتساوى عند النظر بالعين؛ فالمعاني تصل دون شرح!
    • القدوةُ - ولا سيما من الوالدين - تُعْطِي الأولادَ قَنَاعةً؛ بأنَّ ما عليه النموذجُ القدوةُ هو الأمثلُ الأفضلُ الذي ينبغي أن يُحتذَى.

    الأطفالُ ينظرون إلى آبائهم وأمهاتهم نظراتٍ دقيقةً فاحصةً، ويتأثَّرون بسلوكهم دون أن يدركوا! ورُبَّ عملٍ - لا يُلْقِي له الأبُ أو الأمُّ بالاً - يكونُ عند الابنِ عظيماً![14].
    ــــــــــــــــــــــ
    [1] التربية على منهج أهل السنة والجماعة، جمع وترتيب: أحمد فريد، الدار السلفية للنشر والتوزيع، الإسكندرية، ص (251).
    [2] أخرجه مسلم (1/512-513) في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب: جامع صلاة الليل (139/746)، والبخاري في الأدب المفرد رقم (308)، والنسائي في الكبرى (6/412) كتاب التفسير، باب: تفسير سورة المؤمنون، وأحمد (6/91)، (6/112) من طريق آخر عن عائشة.
    [3] دراسات في التفسير، د. محمد نبيل غنايم، دار الهداية، الطبعة الثالثة، 1415، 1995م، ص (112).
    [4] الرحيق المختوم؛ صفي الرحمن المباركفوري، دار الكتب العلمية، ص (314). وهذا طرف من حديث صلح الحديبية الطويل، أخرجه البخاري (5/675، 679) كتاب الشروط، باب: الشروط في الجهاد (2731، 2732)، وأبو داود (2/93، 94) كتاب الجهاد، باب: في صلح العدو (2765).
    [5] أخرجه الترمذي (6/188) كتاب المناقب، باب: فضل أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبو داود (2/692) كتاب الأدب، باب: في النهي عن سب الموتى (4899)، وابن حبان (3018، 4177)، والطبراني في الأوسط (6/187) رقم (6145)، والدارمي (2/159)، وأبو نعيم في الحلية (7/138)، والبيهقي (7/468). وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (285).
    [6] أصول التربية الإسلامية وأساليبها في البيت والمدرسة والمجتمع، عبد الرحمن النحلاوي، دار الفكر، دمشق، الطبعة الثالثة، 1425هـ - 2004م، ص (206).
    [7] أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (38/271).
    [8] مسؤولية الأب المسلم في تربية الولد في مرحلة الطفولة، عدنان حسن باحارث، دار المجتمع للنشر والتوزيع، ص (68)، التربية على منهج أهل السنة والجماعة، ص (255).
    [9] تربية (النَّاشِئة) في ضوء السيرة؛ الشيخ عبد الله بن إبراهيم الأنصاري، ضمن كتاب المؤتمر العالمي للسيرة والسنة النبوية، والمؤتمر العاشر لمجمع البحوث الإسلامية، ص (252).
    [10] شَنٍّ مُعَلَّقٍ: أي: السِّقَاء البالي. انظر: المنتقى شرح الموطأ (1/217).
    [11] أخرجه البخاري (2/225) كتاب الأذان، باب: إذا لم يَنوِ الإمامُ أن يَؤُمَّ (699)، ومسلم (1/532) كتاب صلاة المسافرين، باب: الدعاء في صلاة الليل وقيامه (192/763).
    [12] أخرجه البخاري في الأدب المفرد (701)، وأبو داود (2/745) كتاب الأدب، باب: ما يقول إذا أصبح (5090)، والنسائي في عمل اليوم والليلة، رقم (22، 572، 651)، وأحمد (5/42)، وحسنه الألباني في صحيح الأدب المفرد له ص (260).
    [13] منهج التربية النبوية للطفل، مع نماذج تطبيقية من حياة السلف الصالح وأقوال العلماء العاملين، محمد نور بن عبد الحفيظ سويد، دار ابن كثير، دمشق، بيروت، الطبعة الأولى، 1419هـ - 1998م، ص (90، 91).
    [14] تربية الطفل في الإسلام: النظرية والتطبيق، د. محمد عبد السلام العجمي وآخرون، مكتبة الرشد، المملكة العربية السعودية، الرياض، الطبعة الأولى، 1425هـ - 2004م، ص (95).


صفحة 1 من 3 123 الأخيرةالأخيرة

معلومات الموضوع

الأعضاء الذين يشاهدون هذا الموضوع

الذين يشاهدون الموضوع الآن: 1 (0 من الأعضاء و 1 زائر)

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •  
Google